أيضا من قريب. فالشاهد أن موضوع التعاريف، تعريف الأشياء، كيف يعرف الإسلام هذا المفهوم، وذاك المفهوم؟ الشر ماذا؟ الخير ماذا؟ الربح ما هو؟ النجاح ما هو؟ الفشل ما هو؟ هذا كلام أمير المؤمنين عليه السلام يقع في ضمن هذه الدائرة. نحن نلاحظ القرآن الكريم يعرف الأشياء، رسول الله صلى الله عليه وآله يعرف الأشياء، يعطيها المعنى الحقيقي أو المعنى الخافي عن أذهان الناس، أمير المؤمنين عليه السلام أيضا يقوم بذلك، الخير ما هو؟ الآن متعارف لما تتحدث عن إنسان، ما شاء الله عنده خير، عنده خير يعني ماذا؟ عادة لديه أموال، عادة إذا أراد الناس أن يعبروا عن شخص بأنه كثير الغنى والأموال والمتاع وغير ذلك، يقولون لديه خير ما شاء الله. هل مجرد وجود المال عند شخص هو خير؟
أمير المؤمنين عليه السلام وقد سئل عن الخير نفى عن شيء وأثبته بشيء آخر، سئل ما الخير يا أمير المؤمنين علي؟ عرفه لنا، فقال: (ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر علمك ويعظم حلمك، وأن تباهي الناس بعبادة ربك، فإن أحسنت حمدت الله، وإن أسأت استغفرت الله...) ليس الخير أن يكفر مالك وولدك، مع أن هذا عند الناس هو أوضح أنحاء الخير، طبعا أن يكثر ولدك يعني عندك مثلا إما زوجة أو زوجات، وأنك تستطيع أن تدير أمورهم، ومالك أيضا نفس الشيء كثير، لكن هذا قد يكون خيرا وقد لا يكون خيرا. الآن نلاحظ في الإعلام وما شابه ذلك، هذه الموجة من التفاخر، الإنسان يتفاخر بأن رصيده في البنك كذا وكذا، في السابق كانوا يخافون، لكن الآن
يتباهى بأنه أنا رصيدي في البنك كذا من الأموال، ويعتمد على أن هذا سيصنع له اعتبارا وفخرا اجتماعيا ويصبح ذا شخصية، أو إذا (سطرة) سيارات يستعرضها وينشرها، أو ما شابه ذلك، الإمام علي بن أبي عليه السلام يقول هذا بمجرده ليس خيرا، (ليس الخير أن يكثر مالك وولدك)، ممكن بهذه الكثرة تصنع خيرا، ومن الممكن لا سمح الله أن ينقلب عليك شرا، عندك من الخير بهذا المعنى أكثر من قارون؟ قطعا لا، ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ۖ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]، لكن هذا نفسه لم يكن خيرا له، وإنما أصبح شرا عليه، بعدما قال: ﴿قَالَ إِنَّمَا
أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨]، ﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ﴾ [القصص: ٨١]، حتى بالمستوى الدنيوي ما كان هذا خيرا. ولكن الخير يقول أمير المؤمنين عليه السلام (ولكن الخير أن يكثر علمك)، العلم قد يراد منه هنا العلم الشرعي، وقد يراد منه العلم التخصصي، وقد يراد منه تلك البصيرة التي تجعل الإنسان في حياته يسير على هدى، وهذا المعنى الثالث هو الصحيح، فإنه من الممكن حتى عالم الدين شخص لديه فقاهة، لديه تبحر في الأصول، إذا لم تكن عنده هذه البصيرة العلم بمعنى
البصيرة. هذا يصبح (بلعم بن باعوراء)، (بلعم بن باعوراء)، كان من أعلم علماء بني إسرائيل وعبادهم وزهادهم، فلما جاء موسى أنكر نبوته ورسالته، لم تكن لديه تلك البصيرة العلمية التي تهديه إلى هذا النبي أو كانت لديه ولكن انسلخ من العلم، ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [سورة الأعراف: ١٧٥]، ومثل: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٥]، لديه علم، علم التوراة في بني إسرائيل مثل علم القرآن في المسلمين، ذاك كتاب سماوي وهذا كتاب سماوي، لكن هل يأخذ منه بصيرة أو ضوءا ونورا يهديه في حياته أو لا؟ كم من الأشخاص