في هذا الجانب أصبح ملزماً ولو لم يأتي به القرآن، أكثر الأحكام لم يأتـي بها القرآن، فكيفية الحج لم يأتي بها القرآن الكريم، وعدد المفطرات قسم كبير منها لم يأتي بها القرآن الكريم ، والزكاة لم يأتي بها القرآن الكريم بتفاصيلها، لكن المسلمين أخذوها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وعن أهل البيت عليهم السلام، فصارت عندنا هذه المنظومة التشريعية، فلو فرضنا أنه لا يوجد آيات قرآنية، فهناك أحاديث تلزم الإنسان بأن يعمل بها وهي تقضي بلزوم الاحتجاب. على أن القرآن الكريم فيه آيات بهذا المعنى - لمن أراد أن يتأمل فيها - (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ) والآية الأخرى (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) في هذه الآية المباركة إشارة
إلى أن لا تبدى الزينة، والزينة هنا - إما أن يكون المقصود بها مواضع الزينة - وهذا في اللغة العربية يقولون على طريقة حذف المضاف وهذا موجود في الآيات كقوله تعالى (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا) يعني تسأل مَن؟ تسأل أهل القرية، فهنا يقولون حذف المضاف وهو كلمة ( أهل) للاستغناء عن معرفتها فلن يكون المقصود الجدران وإنما المقصود سؤال أهل القرية. كذلك هنا يقول: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ) - يعني مواضع الزينة- فمثلاً عندما تضع على صدرها قلادة أو عقد ذهبي هذا يعني موضع الزينة ، كذلك عندما تضع على ذراعها الذهب والأساور هذا موضع الزينة، إذن فمعنى (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ) معناه لا يبدين مواضع زينتهن، هذا الغطاء التي تغطي به شعرها- نفس اشعر- هذا يكون موضع الزينة، فلا ينبغي
أن يُبدى وأن يُعرَف، إما بهذا القول وإما أن يقال نفس الزينة هي ممنوع اظهارها. إما إذا قيل أن لا تخرج الزينة التي في اليد – يعني تكون الزينة مغطاة- لكن اليد تكون ظاهرة هذا أمرٌ غير معقول، إضافة إلى ما ذكرنا من باقي الآيات المباركة، فالقضية من الناحية الدينية ثابتة بالقرآن الكريم من جهة، وبروايات عن رسول الله صلى الله عليه وآله والمعصومين عليهم السلام من جهة أخرى. هل فرض الحجاب في الديانات السماوية الأخرى؟ من الممكن أن نتقدم خطوة للأمام -كما يقولون - فنقول إن الأصل في النساء هو التحجب الكامل؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد أوجب ذلك ونراه في كل الديانات، فأنت ترى ذلك حتى عند المسيحيين. الآن المسيحيون عندما يرسمون صورة مريم العذراء - إلى هذه
اللحظة - مع إن التفسخ عندهم قائم على قدم وساق والتعري بشكله الكامل، لكن عندما يصورون صورة مريم العذراء يصورونها صورة امرأة عليها غطاء الرأس وعليها ملابس ساترة لماذا؟ لأنهم يعلمون أن هذه المرأة والدة عيسى بن مريم والمؤمنات في ذلك الزمن - زمان المسيح وزمان موسى بن عمران وزمان إبراهيم - كن على تلك الشاكلة، وهذا لا يمكن أن يكون ناشئاً إلا من توجيه الدين، فالرسل والأنبياء السابقون والحضارات الدينية كلها تصر على هذا الجانب وعلى هذا الأمر، حتى مع هذا التفسخ والتعري و.. الخ الموجود في العالم ، إلا أنهم لا يزالون يعتقدون إن مثل مريم والنساء العظيمات في تاريخ المسيحية واليهودية كن متسترات ومتحجبات ومحتشمات وعفيفات، بل يذكر المؤرخون -انظروا مثلاً- إلى كتاب قصة الحضارة لـ (
ويل ديورانت) وغيره، يتحدثون عن الحجاب في المجتمعات الدينية على أساس أنه الأصل، حتى أنه جاء في اليهودية عقوبة، أنه لو أن امرأة متزوجة خرجت إلى الشارع من غير حجاب أو تكلمت مع الرجال من غير تستر أو ما شابه ذلك، أو غزلت في وسط السوق من دون احتشام جاز لزوجها طلاقها ولا يغرم لها شيء؛ لأنها خرجت عن القاعدة الدينية. فلو افترضنا أن شخصاً في زمان موسى بن عمران، زوجته خرجت إلى وسط السوق من غير احتشام ومن غير احتجاب، يحق له عندهم أن يطلقها لأن هذا شيء كبير وعظيم ومن دون أن يخسر من مهره شيئاً، نحن لا يوجد عندنا مثل هذا الحكم الشرعي، لكن في اليهودية موجود مما يشير إلى أن هذا الأمر كان موجوداً في سائر