فيجب عليك أن تتنبه وتوقفه عند حده وتناقشه فكرةً بفكرة. فقضية العصمة ليست شرطًا في المرجعية، وإنما في الأساس المرجعية شُرّعت لغياب المعصومين. المرجع يجب أن يقترن فيه العلم والورع، وهو أقصى درجات التقوى بألا يتعمد الخطأ والمعصية والانحراف. فلو فرضنا أنه في الأثناء أخطأ خطأً علميًا، فيجب على المؤمنين من العلماء أن يقوّموا خطأه. وإن كان خطأً عمليًا -لا سمح الله- فيقومون بواجبهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولكن لا يمكن جرّ القضية إلى أنه ما دام غير معصومًا ويمكن أن يخطئ فلا نتبعه!
قد يأتي السارق بطريق آخر، فبدل أن يقول "الأئمة غير معصومون"، يقول لك بكلماتٍ لطيفة ليستحسنها السامع بينما يدس أفكاره المنحرفة فيها كأن يقول "الاثنا عشر الذين أتو بعد النبي هؤلاء أمثلة عالية في العلم، علماءٌ أبرارٌ فقهاءٌ ورعون، قدموا النموذج الأسمى للفقيه. لكن قضية العصمة يجب النقاش فيها، وفي علمهم بالغيب هنالك رواية كذائية تقول أن جارية أحد المعصومين خرجت ولم يعثر عليها أو ما شابه ذلك". تنبّه! إنّ هذا سارق.. مثله مثل الذي أتى من أول الليل إلى الغلام وسرق الأموال ومشى من حيث لا يعلم. فنرد عليه بأن نقول: تم تأسيس الأمر في العقائد بأن الأمر الداعيَ إلى عصمة النبي هو نفسه الأمر الداعي إلى عصمة الإمام والوصي، وإلا لأضل الناس. فالعصمة شيءٌ ثابت. والرد على المدعين بتلك الروايات بأنهم تركوا أجزاءً بها مئات الروايات في علمهم بما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة، بمختلف التعابير. الإمام الصادق عليه السلام قال وهو ساجد "اللهم يا من خصّنا بالكرامة وأكرمنا بالشفاعة ورزقنا علم ما مضى وعلم ما يكون إلى يوم القيامة". هذا الكلام يُخالف ما تم نقله عن المعصومين، فنرمي بالرواية المفترية على الأئمة أنهم لا يعلمون الغيب بعرض الحائط، لأنه تم تأسيس هذا الأصل في العقائد والقرآن وإثباته بمئات الروايات في العلم والعصمة العملية. فإذا كنت تعتقد بالروايات أتترك مئات الروايات في العصمة والعلم وتتمسك برواية واحدة؟
ولماذا تستعظمون هذا الأمر؟ يروى أنه جاء أحد المخالفين للإمام الجواد عليه السلام وهو في بغداد يمشي على نهر دجلة إلى منزله فقال له "يا أبا جعفر، أنت الذي تدعي شيعتك أنك تعلم ما في البحر هذا من سمك؟" فالتفت إليه الإمام الجواد عليه السلام وقال: "أيقدر الله أن يعطي ذلك إلى بعوضة أو لا يقدر؟" فقال "بلى يستطيع"، فقال الإمام "أتستكثر علي ما يعطيه الله إلى بعوضة من خلقه؟ إنّي أكرم على الله من بعوضة ومن أكثر خلقهِ". أمن التعقل أن نترك مثل هذه الروايات ونتمسك بروايات الله العالم بسندها والله العالم بدلالتها لكي ندحض هذه الأمور؟
يأتي إليك من طريق آخر فيحاول المساس بموضوع الروايات بقوله "أن الروايات أعدادها كثيرة! فلا بد أن يكون فيها إسرائيليات، روايات مكذوبة، أو روايات موضوعة، فإذا كان كذلك فالأفضل لنا أن نعتمد على القرآن"، بدل أن يقول "يجب علينا أن نرفض الروايات".
ظاهر هذا الكلام يبدو لطيفًا، فتقول أن القرآن الكريم لا يوجد شك في حرف من حروفه، أما الروايات ففيها نسب كثيرة مما رواه اليهود أو وضعه الوضاعون وألفه الكذابون، فالأفضل أن نترك هذه الروايات ونتبع القرآن فقط، فالقرآن ذاته يقول {إِنَّ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِي هِىَ أَقْوَمُ} – ٩، الإسراء. لاحظ أنه لن يقول لك أن تتركها، بل يقول أنه الأفضل أن نتبع القرآن وحده فقط. فانتبه والتفت!
نرد على أمثال هؤلاء بأن الروايات فيها غير الصحيح وغير الثابت، وفيها الثابت. وقد جهد علماؤنا أعلى الله كلمتهم وجزاهم الله خيرا، ولو أننا اطلعنا على بعض ما يعمله العلماء الكبار من التنقيب والتحقيق والتفتيش والتتبع لقبلنا تراب أقدامهم! آغا بزرك الطهراني رضوان الله عليه، وهو متتبعٌ فقط في الكتب وصل إلى نهاية عمره وظهرهُ مثل القوس من كثرة ما جلس على الكتب ونقّد ونقب وتحقق وتتبع. العلامة الأميني وأمثاله، الذين سافروا إلى كل مكتبة احتملوا فيها وجود رواية واحدة في كتاب من الكتب لكي يحصلوا عليها، وأحيانًا يسهر طول الليل لكي يحفظ روايةً لأن الطرف الآخر لا يريد أن يُخرج الكتاب. اقرأوا عن هذا الأمر! فعلمائنا منذ أن غاب الإمام الحجة عليه السلام اشتغلوا عليها بلا توقف خلال سنوات عمرهم كلها. بينما نحن نشتغل ونكسب معاشاتنا ونترفه وهؤلاء العلماء معتكفون في سراديبهم على الكتب والروايات وتتبع صحتها حين كان لا يوجد أجهزة يمكنها التسهيل عليهم بضغطة زر! فكتبوا علم الرجال وتتبعوا فيه علماء. كالمامقاني رضوان الله تعالى عليه عنده كتاب ضخم اسمهُ تنقيحُ المقال، تتبع فيه ثلاثين ألف اسم تتبع فيها كل شخص واسمهُ وضبط الاسم، ومعيشته وعمن أخذ ولمن روى وعمن روى ومنزلته وإلى آخرهِ. معجم رجال الحديث يحتوي ١٦ ألف رجل وأمثاله. فأنتَ المتكلم صحيح أنك لا تعرف الثابت وغير الثابت، لكن علمائنا الفقهاء الأبرار الذين صرفوا كل عمرهم وجهدهم في البحث والتنقيح يعرفون ذلك بشكل جيد، فيبحثون الرواية بحثًا سنديًا ثم يبحثونها بحثًا دلاليًا، ثم يقيسونها إلى أشباهها ونظائرها، ثم يوفقون بينها وبين معارضاتها. فالمسألة ليست مسألة أفكار إنسان عادي يكتب مقالًا وينشره، بل ورائها عشرات من السنين من البحث والنقد والتحقيق!