الخلفاء الذين دفنوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليسوا بأنبياء، ولم يقبضوا في نفس المكان، بل أُوتي بهم إلى محل ما دفن فيه الرسول، وكان ذلك بمحضر الصحابة الذين -كما تدعي هذه المدرسة- بأن قولهم وفعلهم وتقريرهم حجة، فهل يعقل بأن يقروا على شيء باطل؟ وكيف سكت أصحاب رسول الله قاطبة على مثل هذا الأمر؟!
الأدهى من ذلك والأمرّ في العهد الأموي المرواني[ ] ضم بيت رسول الله إلى داخل المسجد، فصار كلّه مسجد بما فيه البيت النبوي الذي فيه قبور لعدد من الأشخاص.
ولم يكن ذلك محلّ استنكار لأصحاب رسول الله، ولا لأهل البيت النبوي، في أن يكون ذلك من البدع، أو يجانبه المغالاة بالأخص مع النبي صلى الله عليه وآله، فلماذا لم تسد بهذه الدريعة؟
لم نجد أن أحدًا اعترض على هذا الأمر، بل كانوا يتبركون بتراب قبره، ويضعون رؤوسهم على قبره كما كان يصنع أبو أيوب الأنصاري[ ].
فهذا قبر رسول الله اتخذ عليه القباب في طول تاريخ المسلمين، لم يكن هناك إنكار على هذا الأمر، وعلى أثر ذلك يذهب عموم المسلمين إلى أن إعمار المشاهد والأضرحة والمقابر ليست فقط مشروعة، بل هو من سيرة المتشرعة من المسلمين.
في البلدان الإسلامية هناك العشرات من القبور والأضرحة للأولياء والمؤمنين، كتركيـا ومصر والعراق وإيران وبخارى وسمرقند وسائر بلاد المسلمين، وهذا يكشف عن أن هذه الممارسات وهذه السيرة كانت مستمرة متصلة بالزمان الأول بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وتسلمها الأخلاف عن الأسلاف من غير إنكار ولا منع.
أما بالنسبة للإمامية فعندهم من الأحاديث عن أئمة أهل البيت عليهم السلام ما شاء الله ذكرنا بعضها.
دفع وهم وحلّ إشكال!!
اعتمد الفريق المخالف لبناء القبور وزيارة الأضرحة على أدلة، وعمدة أدلتهم ما رواه مسلم في صحيحه بسنده عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم؟ أن لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته[ ].
وقد أجاب عامة المسلمين على ذلك بإشكالين على الرواية أبي الهيجاء:
الإشكال الأول في السند:
ففي سلسلة الحديث أربعة رواة يشكل عليهم وهم:
١/ أبو وائل: هو شقيق بن سلمة الكوفي وكان من الخوارج المبغضين لأمير المؤمنين عليه السلام[ ]، فكيف يتسنى لشخص من مبغضي أمير المؤمنين أن ينقل حديثًا عنه.
٢/ سفيان الثوري: وهو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، قال عنه الذهبي: إنه كان يدلس عن الضعفاء[ ].
٣/ حبيب بن أبي ثابت، وصفه ابن حبان في كتابه (الثقات) بأنه مدلس، وقال ابن حجر أيضًا: كان كثير الإرسال والتدليس.
٤/ أبو الهياج فهو نكرة في المدرسة الإمامية، ولم يكن له حديث سوى هذا الحديث.
الإشكال في المتن، ويكون في نقطتين:
• الأولى: في معاني الحديث
في معنى (لا تدع قبرًا مشرفًا إلا سويته) فمفهوم (سويته) -عند المدرسة السلفية المحرمة للبناء على القبور- أي ساويته بالأرض، سواء أكان البناء جدارًا، أم قببًا، أم أعمدة، وهذا ما صنع بقبور أئمة البقيع عليهم السلام، وغيرها في أماكن سيطرتهم وقوتهم، حيث يفجروا المشاهد ويهدموا القبور والأضرحة، بل كانوا يتمنون أنهم لو تمكنوا ما أبقوا ضريحًا مبنيًّا على الإطلاق.
والمفهوم الأخر لكلمة (سويته) عند بقية المسلمين -وهم يرونه الأصح- أن التسوية في الشيء هو عبارة عن إزالة النتوءات والارتفاعات والانخفاضات.
فكانت القبور آنذاك مسنمة كسنام البعير -على فرض صحة الحديث- فيراد جعلها مسطحة مستقيمة، وليس بالشكل المثلث.
وهذا هو الأقرب؛ لأنه لو أراد أن يقول بذلك المعنى من التسوية وهو الهدم والمساواة بالأرض، لصح أن يقول: (ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته بالأرض) وفي هذا يستقيم والمعنى الذي أرادوه.