أما التسوية المجردة لا يعدوا كونها على مستوى واحد، متساوية الأجزاء مستقيمة.
فإن كان كلا المعنيين محتملين، فلماذا الاقدام على هدم تلك الأماكن الحضارية؟ وإزالة ما من شأنه أن يذكر فيها اسم الله، ويعظم فيها أولياؤه؟ على أثر حديث يشكل في سنده، وغير تام الدلالة؟!
• الأخرى: إشكال في الممارسة لا في المعتقد؟!
هناك مدرسة عريضة تضم أكثر المسلمين التابعين لمدرسة الخلفاء الذين توحدت كلمتهم على عدم جواز هدم هذه المقابر، والأضرحة، والمشاهد، حتى لو كان فيها بعض الممارسات غير الصحيحة؛ فأن الحل يكمن في إرشاد الناس وتوجيههم، لا في هدم تلك الأماكن.
فلو أن شخصًا يصلي في المسجد خلاف القبلة، فهل من الصحيح هدم المسجد؟! أم توجيهه إلى القبلة.
بل أعظم من ذلك لو أن شخصًا أشرك بالله في المسجد، فهل من الصحيح هدم المسجد؟! أم توجيهه وإرشاده إلى الصواب، والعمل الصحيح.
فهدم القبور والمشاهد والأضرحة التي هي مألف الناس، ومحل تجمعهم على فعل الطاعات، بدلا من أن يألفوا أماكن الفساد، وأماكن اللهو، التي يغض الطرف عنها، وتوجه السهام إلى الأماكن التي يتلو فيها كتاب الله، ويذكر فيها اسمه، ويصلى إليه، ولا يدعى إلا هو، تهدم بحجة حديث ملتبس من كل الجهات.
وأمثال ذلك مما ذكروه كرواية لعن اليهود والنصارى القائل:(لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) [ ].
فهل الإشكال على اليهود والنصارى في اللعن أنهم اتخذوها مساجد فقط؟ أم أنهم قالوا: {عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ}، وعلى هذا الأساس اعتقادهم أنهم أبناء الله، وهذا عين الشرك.
ولكن أين هذا ممن يوحد الله ويؤمن به، ويتوجه إلى الكعبة ويصلي إلى ربه، ولكن بجانبه قبر من قبور أنبياء الله، أو أوليائه، فما الضير في ذلك؟
بالعكس فإن إعمار قبورهم كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله مخاطبًا أمير المؤمنين عليه السلام: (من عمر قبوركم وتعاهدها فكأنما أعان سليمان بن داود على بناء بيت المقدس) وهو دور مشترك وغاية واحدة في جمع الناس إلى حياطة الله وفي حيطته، وضمن عبادته.
لذا اعتمد أئمة أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم على هذا الأمر، ودعوا إليه، وشجعوا عليه، فكأن في التاريخ طريقين:
- طريق الطواغيت وفراعنة الأمة الداعية إلى هدم القبور، وتحطيم الأضرحة، كالمتوكل العباسي وأمثاله.
- وطريق الصالحين والأولياء وعترة النبي في إعمارها وتشييدها.
لقد أشارت العقيلة زينب عليه السلام إلى هذه الحقيقة بصفاء بصيرتها، فقالت لابن أخيها الإمام زين العابدين عليه السلام: (لقد اخذ الله الميثاق أناس من هذه الأمة لا تعرفهم فراعنة هذه الأمة وهم معروفون في اهل السماوات انهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة فيوارونها وهذه الجسوم المضرجة وينصبون لهذا الطف علما لقبر أبيك سيد الشهداء لا يدرس أثره ولا يعفو رسمه على كرور الليالي والأيام وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتميحه فلا يزداد أثره إلا ظهورا وأمره إلا علوا) [ ].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[ ] وسائل الشيعة: ج١٤، ص٣٨٣.
[ ] صحيح مسلم: ج٣، ص٦٥.
[ ] مسند أحمد بن حنبل: ج٢، ص٣٣٧، وسنن الترمذي: ج٢، ص٢٥٩.
[ ] كهدم مرقد الإمامين العسكريين، ومرقد نبي الله يونس وشيث، وغير ذلك الكثير.
[ ] ما قاله رسول الله (ص) للإمام علي (ع): يا أبا الحسن إن الله جعل قبرك وقبر ولدك بقاعا من بقاع الجنة وعرصة من عرصاتها، وان الله جعل قلوب نجباء من خلقه وصفوته من عباده تحن إليكم وتحتمل المذلة والأذى فيكم، فيعمرون قبوركم ويكثرون زيارتها تقربا منهم إلى الله مودة منهم لرسوله، أولئك يا علي المخصوصون بشفاعتي والواردون حوضي، وهم زواري غدا في الجنة.
[ ] سورة الكهف، الآية: ٢١.