٢٦- مودة عترة النبي وزيارة مشاهدهم
كتابة سماحة الشيخ جعفر البناوي
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مخاطبًا أمير المؤمنين عليه السلام: (من عمر قبوركم وتعاهدها فكأنما أعان سليمان بن داود على بناء بيت المقدس) [ ].
أحد أنحاء المودة - وهو اظهار الحب - يرتبط بزيارة مشاهدهم وأضرحتهم ومقابرهم وإعمار هذه المشاهد بالمستويين الإعمار البنائي والحضوري، وألّا تكون خالية من الحضور البشري.
عناصر الموضوع:
قبل أن نتناول هذا الموضوع لا بد من تحديد عناصره:
- لا كلام بين المسلمين جميعًا في استحباب زيارة القبور من قبل الرجال ويستند اتباع مدرسة الخلفاء إلى روايات منها: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها؛ فإنها تذكركم الآخرة)[ ].
وهذا عندهم خاص بالرجال بالأخص في المدرسة السلفية التي سناتي على ذكرها.
إذن: نقطة الاتفاق بين المسلمين جميعًا أنه يستحب ويحسن أن يزور الإنسان المقابر والقبور لما فيه من أثر وعظي وتربوي واخلاقي.
وانفردت المدرسة السلفية بين المسلمين جميعًا من السنة والشيعة بأمرين:
الأول: منع النساء من زيارة القبور والمقابر واستندوا إلى رواية ناقشها سائر المسلمين مفادها أن النبي صلى الله عليه وآله (لعن زوّارات القبور)[ ]، وفي هذه الرواية نقاش طويل من حيث سندها ودلالتها ومعارضتها بما هو أقوى من الروايات، وبما عليه سيرة المسلمات في أدوار مختلفة من تاريخ الإسلام، كما أن سيرة المتشرعة من المسلمين والمسلمات تخالف ذلك.
الأخر: المنع المشدد من بناء الأضرحة والمشاهد والقباب والسقوف على القبور سواء أكانت قبور أنبياء أم أوصياء هم اولياء صالحين
فلا يجوز عندهم ذلك، بل إذا ضم إليه بعض الممارسات كالطواف حول القبر -كما يقولون- أو الدعاء والاستغاثة بصاحب القبر هناك؛ فإن هذا ليس بدعة فقط، بل يرقي إلى حد الشرك بالله عز وجل.
هذا فيما يرتبط بالمدرسة السلفية، وبناء على ذلك فإنهم يرون هدم الأبنية والأضرحة والقباب المقامة على القبور أمرًا طبيعيًا؛ فإنه يمنع في نظرهم الشرك وهو إزالة البدع، وعلى هذا الأساس تم تهديم مقابر وأضرحة وقباب في فترات مختلفة من سيطرة أصحاب هذا الرأي[ ].
وهذا الرأي - أي رأي المدرسة السلفية - لا يتفق وعموم المسلمين الذين يرون مشروعية البناء على القبور وجواز اتخاذ الأضرحة بما في ذلك القباب، بل استحباب ذلك أيضًا لما يقيمونه من الأدلة وما عليه من سيرة المسلمين في تاريخ الإسلام.
المدرسة الإمامية في طليعة المسلمين الذين يرون اتخاذ المقابر والمشاهد الأضرحة والقباب على قبور الانبياء وعلى قبور الأوصياء هو من مظاهر مودتهم لأنبياء الله وأوليائه، ومن مظاهر مودتهم لعترة رسول الله صلى الله عليه وآله وخلفائه.
وهذا يرقى في أحاديث كثيره التي منها (من عمر قبوركم وتعاهدها فكأنما أعان سليمان بن داود على بناء بيت المقدس) ينقلونه عن رسول الله صلى الله عليه وآله عندما سأله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: ما لمن عمّر قبورنا؟ فقال له صلى الله عليه وآله: (من عمر قبوركم ... فكأنما أعان سليمان بن داود على بناء بيت المقدس) يشكل نقطة جذب لعباد الله لكي يذكروا يذكر الله في ذلك المسجد، ويصلون إليه ويقرؤون آياته، ويتعبدونه.
كذلك هذه الأضرحة والمشاهد والمقابر المبنية ستقوم بنفس الدور في جذب الناس باتجاه الايمان، وعبادة الله وذكره وقراءة القرآن، وهو الدور ذاته الذي مارسه بناء بيت المقدس وسوف تمارسه المقابر وهذه المشاهد والاضرحة.
وعند الامامية روايات أكثر من هذا[ ].
أدلة المسلمين على بناء القبور:
وأما إجمالي المطلب عند عموم المسلمين - عدا الفئة المانعة المحرمة - يمكن أن يستدل عامة المسلمين من الأشاعرة -وهم القسم الأكبر من المسلمين- في مدرسة الخلفاء على مشروعية البناء على القبور اتخاذ الأضرحة والمشاهد بالأمور التالية: