ولم يكتفوا بذلك، بل حتى الصلاة على رسول الله تم قصقصتها واختصارها أشد اختصار( ).
أين المودة في ذلك؟ وما هو الفضل في أن تحذف الآل من الصلاة؟ هذا أولا، ثانيا: حتى الصلاة على النبي بمفرده غالبًا يتم حذفها، وإذا اضطروا إلى ذلك تم اختصارها وقصقصتها حتى من يسمع لهم لا يعلم ماذا يقولون؟!
ثانيها: اظهار الفرح والحزن لأجلهم، وهذا ما يتميز به شيعة أهل البيت عليهم السلام الذين يظهرون الفرح لأربعة عشر معصومًا وكأن الحدث وقع بالأمس من إظهار البهجة والسرور وتوزيع الحلويات ومعايدة بعضهم لبعض ولبس الجديد ولباس الزينة، وكذا في أحزانهم بالأخص على سيد الشهداء الحسين بن علي عليه السلام، فهم بذلك يمتثلون لقول أئمتهم (يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا).
ثالثها: زيارة مشاهدهم ومواضع قبورهم:
بعض المسلمين يصرحون بعدم زيارتهم للنبي بالقول الصريح بأنهم لا يزورونه بل يزورون مسجده متفاخرين بذلك.
أما اتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام يزورون رسول الله صلى الله عليه وآله ويعتقدون أنه حي عند ربّه، وأنه مستبشر بما أعطاه الله عزّ وجلّ، وأنه شفيع لهم في حوائجهم قضاها ويقضيها وسيقضيها ببركات منزلته وشأنه، هذا بالنسبة للنبي وسائر المعصومين من ذريته عليهم السلام؛ فإن زيارة مقابرهم وأضرحتهم هي من المودة اللازمة التي ينبغي أن يلتفت إليها المسلمون.
مع الأسف بمقدار ما يتوغل الاتجاه المخالف لمودة الآل في الأمة، نجد حتى هذا المقدار من المودة يرتفع، رغم استعداد أكثر المسلمين لمودة آل النبي المعصومة بكافة أشكالها؛ ولكن يأتي بعض الناس الذين لم يؤتوا نعمة محبة رسول الله وأهل بيته الحقيقية ولا مودتهم فيقوم بتحريم ذلك كونها من البدع والشرك والتوسل بالبشر، وهم بذلك لا يفقهون ما يقولون، فيحرمون الناس من بركات هذه الوجودات المقدسة لرسول الله وأهل بيته الطاهرين.
الأمر الثالث: الاتباع والاقتداء في المنهج والحياة
إن رسول الله صلى الله عليه وآله جعل الاقتداء والاهتداء سبيلًا وطريقًا، وشبههم بكل التشبيهات( ) التي تنفي عن الإنسان أي شبهة أو وهم، فقال:> إِنَّ مَثَلُ أَهلُ بَيتِي فِيكُمْ مَثَلُ سَفِينَةِ نُوح مَنْ رَكِبَهَا نَجَا ومَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ<( ).
ومفاد هذا أن أي سفينة أخرى يركبها يغرق؟ وأي عاصم يعتصم به غير هذه السفينة يهوي؟
أنه صلى الله عليه وآله لم يقل إن أهل بيتي كالسفينة في البحر، بل اقتبس المعنى من القرآن الكريم بما جرى لنوح وسفينته من جهة، ولابنه من جهة أخرى.
حين كان الموج يعلو كل شيء، كانت هناك السفينة المتواضعة الاعتيادية المصنوعة من الخشب بالمقاييس القديمة، وهناك الجبال الشاهقة العالية الارتفاع التي لا يعلوها الموج.
فبالمقاييس العقلية يجد ابن نوح أن اللجوء إلى الجبل العالي هو أسلم من تلك السفينة حيث لا يصل الموج إليه، وهذا ما أفصح عنه: {سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ}( )، ولعل المنطق العادي يرى سلامة كلامه.
فقال نوح لابنه: {لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ}، فالسفينة مرحومة، ومن ركبها مرحوم، وغير ذلك من الناس فمن الغارقين الهالكين.
هذا التشبيه أتى به رسول الله صلى الله عليه وآله لأهل بيته، فما الذي يعيق المسلمون عن ركوبهم هذه السفينة (سفينة أهل البيت)؟ ومن يؤخرهم عن الالتحاق بها؟ ومن يعيق ركوبهم فيها؟ وأمواج الفتن والشبهات والانحرافات على قدم وساق، ولا ينفع فيها اللجوء إلى جبل، ولا إلى أي منهج أخر، سوى منهج آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين.
وكذا سائر الأحاديث والروايات الآمرة من رسول الله صلى الله عليه وآله، بل من الله تعالى في مثل: { أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ }( )، وأمثالها التي تصر على الالتزام بمنهج أهل البيت عليهم السلام.