3- هناك جهة إضافية ايضا لهذه الرواية و هي أنها كانت في جو، تقريبا كان مفتوحا من الناحية الفكرية و الثقافية ، في ما قبل زمان الإمام الرضا عليه السلام أيام هارون و أيام المنصور العباسي كان الحديث عن الإمامة و الأئمة صعبا، و كان قد يستوجب العقوبة، لما صار زمان الإمام الرضا عليه السلام اولا لجهة أن المأمون بالقياس إلى آبائه و من خلفه كان رجلا مثقفا، بل أكثر من هذا بل يرى بعضهم أنه كان معجبا بالإمام أمير المؤمنين عليه السلام، ليس من الضرورة أن يكون منتمي إليه أو يكون من شيعته، لكن يعجب بهذا الأداء و هذا العلم، على سبيل المثال أنت الآن تشجع فلان لاعب في فريق كذا، مع أنه لست من أهل الرياضة و لا تلعب مثلا في فريق و لا غير ذلك، و لا أيضا يعود عليك بالفائدة في شيء، تقول غلب فريقنا و فزنا عليهم، و اللاعب الذي يعجبك في ذلك الفريق الأجنبي ماذا فعل و ماذا عمل؟ مع أنه أنت لا تنتمي لهذا الفريق و لا يدخل في كيسك شيء و لكن يعجبك أداؤه، المأمون العباسي عندما يقايس أمير المؤمنين عليه السلام بكل من كان في زمان رسول الله صلى الله عليه و آله، لا يجد فيهم بل لا يجد مجموعهم يوازن عليا عليه السلام، هذا الجو الذي كان، مع التأكيد أن المأمون الحجة عليه أكثر، أنه مع معرفته بالإمام عليه السلام، إلا أنه ارتكب في اولاده ما ارتكب، فالحجة عليه و اللوم عليه و العقوبة عليه أكبر من غيره، لكن إلا أنه تعقد حوارات و نقاشات و مؤتمرات دولية و مناظرات في العقائد كثيرة جدا، و كان بإمكان الواحد أن يقول آراءه و افكاره بغير خوف كما كان بالازمنة السابقة التي ذكرناها، فهذا أيضا يضيف جهة من جهات أهمية هذه الرواية، أن حالة التقية فيها قليلة أو غير موجودة..
الآن لنطلع على مضمون الرواية، و التي يرويها الشيخ الصدوق في كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام، مسندة إلى عبد العزيز ابن مسلم و هو أحد أصحاب الإمام الرضا عليه السلام، يقول كنا في أيام علي بن موسى الرضا عليه السلام بمرو – رواية بمرو يعني بعد سنة ٢٠١ه- سنتين قبل شهادة الإمام الرضا عليه السلام، فاجتمعنا في مسجد جامعها، في يوم الجمعة في بدء مقدمنا، فإذا الناس يتناقشون في أمر الإمامة – طبعا تعلمون و قد ذكرنا هذا من قبل أن الإمامة بمقاييس مدرسة الخلفاء تختلف عن الإمامة بمقاييس مذهب أهل البيت عليهم السلام و ذكروا كثرة إختلاف الناس فيها، طبيعي نظريتان مختلفتان، أصلا بعض الفرق المسلمة ينقل عنهم و إن كانوا هم ينكرون ذلك لشناعة الرأي،ينقلون عنهم أنه في قضية الإمامة، لايجب لاعقلا و لانقلا و لا على الله و على الناس نصب الإمام ما يحتاج اصلا بحسب رأيهم، ماذا يصنع الناس؟ كل واحد -حسب تعبيرهم- يتناصف الناس فيما بينهم، كل واحد يعرف حقه و يلزم حده ومكانه فما يحتاج إلى إمام!!
الآن حكومات موجودة و محاكم والمحاماة و السجون و العقوبات، مع ذلك هذه القضايا و النزاعات تزداد يوما بعد يوم، هل معقول نترك كل هذا ويتناصف الناس فيما بينهم، هذا مجتمع ملائكة و ليس مجتمع بشر!!
و قسم آخر يقول لا يجب على الله نصب الإمام، و إنما يجب الأمر على الناس لتنظيم أمور حياتهم و قضاياهم، يجب ينتخبوا واحد إما بالشورى و إما بالانتخابات إما بأهل الحل أو العقد إما بالغلبة و السلطة- تعرضنا إلى هذا الموضوع فيما سبق- ..