عترة الأنبياء في الأمم السابقة ٢

عترة الأنبياء في الأمم السابقة ٢
00:00 --:--

أقره له كل من عاصره بل حتى أعداؤه أقروا بها .

     هذه الآية المباركة تشير إلى هذا المعنى أن مقاييسكم أيها البشر سواء كنتم في زمان بني إسرائيل أو كنتم في زمان الأمة الإسلامية ليست بالضرورة هي المقاييس التي يريدها الله عز وجل وإنما ربنا سبحانه وتعالى ( وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لكم الخيرة ) لا على هواهم ولا تبعًا لإرادتهم وإنما ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) فلا تعترض لأن الله سبحانه هو الذي انتخب وهو الذي عين وهو الذي اصطفى ونصب وبالتالي كل عمله سبحانه وتعالى لا يكون إلا موافقًا للحكمة ولمصلحة الناس . لذلك وجدنا أولًا أن الصفات والبرنامج الموجود في سيرة بني إسرائيل الأصلية وفي خريطة الله لإنقاذهم هو نفس البرنامج الذي أعد لإدارة هذه الأمة وخريطة لإنقاذها ويبدأ ذلك بأن الله سبحانه وتعالى ينتخب نبيه وينتخب بعد ذلك أوصياءه وعترته . 

      وهنا نشير إلى أن معنى العترة بكسر العين ، لها أصلان : أصل غير مرتبط ببحثنا وأصل مرتبط به . الأصل غير المرتبط كما يقول ابن فارس في كتاب (مقاييس اللغة )، أصل يدل على التفرق ويقال عترة المسك وعتيرته والمسك يتفرق قبل أن يصبح عطرًا سائلًا هو في الأصل أشبه بالجامد مثل التراب أو الطين وفيما بعد تجرى له عمليات فيتحول إلى هذا العطر السائل فيقال عترة المسك أي ما تناثر وتفرق منه وهذا غير مرتبط ببحثنا .

المعنى الآخر والمرتبط بحديثنا هو ما يدل على النصاب والإحكام ويقال عترة المسحاة وهذا له قسمان ما يحرث ويصلح به الفلاح الأرض القسم الأسفل ويكون من حديد ويرفع به الأشياء من طين وتراب وغيره والقسم الآخر هو الخشبة المتصلة وهذه تسمى العترة وفائدة المسحاة لا تكتمل إلا بوجود القطعة الخشبية التي ترتبط بها ويجعلك تستخدمها بسهولة لتنقل التراب من مكان لمكان آخر وتحرث الأرض وما شابه ذلك فهي كالنصاب الذي تنتصب عليه المسحاة فيزيدها إحكامًا واستحكامًا وكأن نبينا محمدً (ص) عندما قال وعترتي أهل بيتي في حديث الثقلين المعروف أشار إلى هذا المعنى وهو أن الرسالة لا تكتمل بتمامها إلا بوجود هذين القسمين دور الإمامة ودور النبوة .

    وفي هذا المعنى وجدنا شباهةً كثيرةً بين ما حصل في بني إسرائيل قبل التحريف وما حصل في هذه الأمة من أصل الانتخاب ،أن الله سبحانه وتعالى اصطفى من هنا كما اصطفى من هناك أشخاص أيضًا ما كان هؤلاء الناس العاديون يتصورون أنه سيتم اصطفاؤهم وانتخابهم واختيارهم بل لقد تم الاحتجاج عليهم وحصل ذلك لرسول الله فتعجبوا كيف ينتخب هذا وهو يتيم وليس له أموال ولا عزوة ونفس الكلام قيل في أمير المؤمنين عندما انتخبه رسول الله (ص) فتارةً استصغروه وتارةً قالوا فيه كذا وكذا حتى يزووها عنه ونحن نلاحظ مثلًا أن الأوصياء والنقباء في تاريخ بني إسرائيل هو نفس العدد الذي كان في تاريخ هذه الأمة على منهجها الحق ( وبعثنا منهم اثني عشر نقيبًا ) وهنا أيضًا اثني عشر إمامًا وصيًا وقائدًا بعد رسول الله (ص) وأكثر من هذا لو تتبعنا الأمر ففيه الكثير من أوجه التشابه بين المجتمع الإسرائيلي الذي تبرز فيه امرأةٌ رمزٌ للطهارة والنزاهة والاصطفاء والدفاع عن الحجة وهي مريم بنت عمران ( إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين ) وهنا نجد فاطمة بنت محمد وهي التي انتسل منها الأوصياء ودافعت عن حجة الله على عباده وعلى خلقه وهي التي صارت سيدة نساء العالمين والمصطفاة على كل نساء الدنيا بينما كانت مريم سيدة نساء عالمها . وأكثر من هذا يتحدثون في قضية المشابهة التي يؤكدها رسول الله بينه وبين علي وبين موسى وهارون فهنا تجد لفظ أخي مع أنه واقعًا عليٌ ليس أخًا لرسول الله من الناحية النسبية ولكن تأكيده لهذا المعنى أن هذا أخي وابن عمي وهذا التأكيد المستمر عليه كأنما يريد أن يستدعي صورة الأخوة بين موسى وهارون وأن يقول ( أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ) بل بعض العلماء يقولون أكثر من هذا : أنه حتى أننا نستطيع أن نجد مشابهةً بين غيبة عيسى وغيبة قائم آل محمد . فعيسى بن مريم في بني إسرائيل ما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ورفع إلى السماء عنهم وغاب عن الحضور معهم ولا يزال على قيد الحياة وسيعود أيضًا عندما يأتي الغائب الحاضر المنتظر عجل الله فرجه الشريف والذي حصلت له نفس هذه الظروف وقريبٌ منها فغاب عن الظهور العلني وهو حيٌ باقٍ ناظر وشاهدٌ ولم يمت وقد ولد وهو على قيد الحياة وهو بهذا في غيبته مشابهٌ لغيبة عيسى بن مريم .

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١٠

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة