٢- عترة الأنبياء في الأمم السابقة
كتابة الفاضلة ليلى الشافعي
قال الله العظيم في كتابه الكريم :( وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقيةٌ مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآيةً لكم إن كنتم مؤمنين )
حديثنا بإذن الله تعالى في سلسلة الحديث عن عترة النبي المعصومين عليهم السلام يتناول عترة الأنبياء في الأمم السابقة وقضية الوصاية والأوصياء في هذه الأمم . ونفتتح ذلك بالآية المباركة من سورة البقرة التي تتحدث عن أن أحد أنبياء بني إسرائيل بعضهم قال إن اسمه شموئيل وبعضهم قال أن اسمه شمعون على أثر بقاء يني إسرائيل في حالةٍ من الذل والاضطهاد من قبل أعدائهم فترةً من الزمن انبعث قسم منهم ليطلبوا من نبيهم هذا أن يهيأ لهم قائدًا ملكًا سلطانًا يقودهم باتجاه رفض الذل والاضطهاد الذي كانوا فيه ( إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكًا نقاتل )
على أثر ذلك انتخب هذا النبي طالوت وكان طالوت رجلًا من الناحية الجسمية طويل القامة عريض المنكبين له قوةٌ بدنيةٌ استثنائية ولكن باقي الميزات والتي هي عند الناس مقاييس للتقدم غير موجودة لديه ، كأن يكون له وجاهةٌ في المجتمع أو أن يكون من أسرةٍ متميزةٍ كنسل النبي يوسف أو أن يكون له حضوره الاجتماعي أو صاحب ثروة طائلة وهذه هي المقاييس عند قسم من الناس وحتى الآن لو أن شخصًا أراد أن يتصدر الواجهة الاجتماعية عادةً قسمًا من الناس ينظرون إلى هذه المقاييس .
فهؤلاء رفضوا تولية هذا النبي لطالوت ، فقال لهم النبي ( إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطةً في العلم والجسم )
فأولًا هذا محل اصطفاء إلهي وانتخاب رباني فلا ينبغي أن يكون هناك إرادةٌ مخالفةٌ له بالإضافة إلى ذلك فالصفات المؤثرة في القيادة المطلوبة وهي الناحية العلمية وحيث أنه سيقود حربًا عسكريةً فعنده كفاءة بدنية فلا يحق لكم أن ترفضوا هذا الأمر . والنتيجة كانت أن طالوت الذي كان شابًا ليس معروفًا في ذلك الوقت في مجتمع هذا النبي ولم يكن له نسب متميز ولم يكن صاحب ثروة لكنه كان انتخابًا إلهيًا واصطفاءً ربانيًا وبطبيعة الحال فالانتخاب الإلهي ليس عبثيًا وإنما مبنيٌ على أنه زاده بسطةً في العلم والجسم . وفعلًا قاد طالوت الحرب وكان تحت إمرته داوود والقضية مفصلة في سورة البقرة . وانتهت النتيجة بانتصار هؤلاء ( كم من فئةٍ قليلةٍ غلبت فئةً كثيرةً بإذن الله )
هذه الآية المباركة وأمثالها من الآيات هي مما يرد في تراث الإمامية للاستشهاد على أن قضية النبوة والإمامة والوصاية وما يتصل بهما هي من الأمور التي تتوقف على اختيار الله عز وجل وإن كانت على رغم اختيار البشر ولا تتفق مع ما يراه البشر لإنه لو أتيح الأمر للبشر وما يريدون لاختلت الموازين . ألم يقولوا بالنسبة إلى سيد الأنبياء المصطفى محمد ( ص ) رافضين لنبوته ( لولا أنزل هذا القرآن على رجلٍ من القريتين عظيم ) فمحمد قليل المال ويتيم وليس لديه جاه ولا جيش ... فيرد عليهم القرآن ( أهم يقسمون رحمة ربك ؟! نحن قسمنا بينهم معيشتهم )
أنت عبد لا حق لك أن تقرر ما يقرره الله تعالى فأنت عليك الالتزام والطاعة فلا حق لك أن تقول مثلًا أن علي بن أبي طالب صغير فلا يصلح للخلافة ، حتى أن بعضهم صرح بذلك فقال له ابن عباس : لم يستصغره رسول الله عندما بعثه بسورة براءة إلى المشركين واستصغرتموه أنتم ( لا يؤدي عنك إلا أنت أو أحدٌ منك ) فانتخبه رسول الله ولم يستصغره . فمقاييس البشر تأتي بهذا النحو .
وهنا لا بد من الإشارة لنقطةٍ مهمة وهي أن هناك خلطًا لم يعر منه حتى بعض المثقفين الإسلاميين بل حتى بعض العلماء وهو أنهم تصوروا أن أي مشابهةٍ لليهود في أمورهم هي مشابهةٌ مذمومة . لماذا ؟ فلو قلت لأحدهم أنت مثل اليهود هل يعتبرها مدح أو ذم ؟ بل يعتبرها مسبة . لماذا ؟ لأن اليهود بعد نبي الله موسى وعيسى أساؤوا العمل ( فبما نقضهم ميثاقهم جعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم ) وفي مكان آخر يقول ( وقتلهم الأنبياء ) وفي مكان آخر ( وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم )