الشعر سهل الحفظ، وأشبه بإذاعة في ذاك الوقت، واحد يريد أن يتكلم على جماعة يأتي بشعر هجاء، يمدح جماعة يأتي بشعر مدح، يعرب عن توجهاته يأتي بشعر وأبيات، وهكذا. أبو طالب لما نأتي ونرى، نجد أن أبياته منها الصريح في نسبة النبوة إلى رسول الله محمد صلى الله عليه وآله، فهو يخاطبه: أَنتَ النَبِيُّ مُحَمَّد...قرمٌ أَغَرُّ مُسَوَّدُ لِمُسَوّدين أَكارِمٍ...طابوا وَطابَ المَولِدُ يقول أنت النبي محمد، وليس شخصا عاديا، لما تخاطب رسول الله بالنبوة، هذا يعني أنك تعتقد بذلك، وإلا كنت تقول كلاما آخر، يأتي في مكان آخر فيقول: وَدَعَوتَني وَزَعَمتَ أَنَّكَ ناصِحٌ... وَلَقَد صَدَقتَ وَكُنتَ ثَمَّ أَمينا وَعَرَضتَ ديناً قَد عَلِمتُ بِأَنَّهُ...مِن خَيرِ أَديانِ البَرِيَّةِ دينا هنا سبحان الله يعني الخط الأموي يضيف بيتا يقول ويكمل بيتا مفتعلا: لَولا المَلامَةُ
أَو حِذاري سُبَّةً... لَوَجَدتَني سَمحاً بِذاكَ مُبينا الدارسون في مجال الأدب لما يأتون يقولون هذا ليس من سنخ أدب أبي طالب، يقولون نحن درسنا أشعاره، نمط شعر أبي طالب لا ينسجم مع هذا، وهذا يعرفه الدارسون في الأدب، الآن لو أن شخصا جاء مثلا، وأتى بشعر من أشعار المعاصرين، وقال هذا من شعر المتنبي، يمكن غير العارف بالأدب العربي يصدق، ولكن دارس الأدب العربي، يقول هذه ليست من عبارات المتنبي، ولا مستوى أدبه، ولا غايات شعره، هذا لا ينسجم مع ما نعرفه من المتنبي من فخامة الألفاظ، وقوة الصور، فهذا لا يمكن، ولذلك هذا بحث أساسا في تاريخ الأدب العربي، قسم من المتخصصين يأتي ويقرأ القصيدة ثم يُعَلَِم، هذا البيت منحول، وهذا غير البيت ذلك. الدارسون يقولون إن هذا البيت
أُدْخِل وأُقْحِم قسرا، ولذلك فإنهم يستشهدون به فقط، لا يقولون: وَدَعَوتَني وَزَعَمتَ أَنَّكَ ناصِحٌ... وَلَقَد صَدَقتَ وَكُنتَ ثَمَّ أَمينا وَعَرَضتَ ديناً قَد عَلِمتُ بِأَنَّهُ...مِن خَيرِ أَديانِ البَرِيَّةِ دينا بل يستشهدون بهذا البيت فقط: لَولا المَلامَةُ أَو حِذاري سُبَّةً... لَوَجَدتَني سَمحاً بِذاكَ مُبينا جميل العلامة الأميني رضوان الله تعالى عليه، هذا مفخرة من مفاخر الإمامية حقيقة، في كتابه الغدير، الجزء السابع، عنده فصل فيه حوالي (٨٠) صفحة حول أبي طالب وإيمانه، يقول هذا البيت، حتى لو تنزلنا وقلنا بأن أبا طالب قاله، نحن نعرف أنه كذب، ولكن لو فرضنا وتنزلنا، فأقصى ما يفيد أنه أنا لا أعلن، لا أعلن هذا الكلام، (لا أعلن) لا يعني (لا أؤمن)، فكم من الناس لا يعلنون إيمانهم لظروف معينة، على أنه فيه نقاش. أبو طالب
متى كان يخشى من هؤلاء الأشخاص؟ متى كان يخاف أبو طالب من مناصرة ابنه وإعلان ذلك، نعم، لجهة معينة تقتضيها حماية رسول الله، وحماية دعوته، كتم إيمانه، ولهذا قال الإمام الصادق عليه السلام في الحديث: (إن مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان، وأظهروا الشرك، فآتاهم الله أجرهم مرتين). أهل الكهف بقوا في قومهم سنوات طويلة، لا أحد يعلم بإيمانهم، إلى أن خرجوا من ذلك المجتمع، تقتضي حماية الإيمان أن لا يفصحوا عنه، ولذلك يؤتى أجرهم مرتين، لماذا؟ لأن الإيمان مع التقية، وفي ظروف أصعب بكثير من الإيمان في غير ظروف التقية، مثلا أسألوا المسلمين الذين هم في بيئة كافرة لا تسمح لهم بإظهار الإسلام، كم من المقدار يعانون؟ شيعة أهل البيت الذين هم في بيئة متعصبة، لا تسمح
لهم بإظهار هذا التشيع، كم من المقدار يتأذون، كم يعانون؟ لهم الله واقعا، ولذلك يؤتيهم الله أجرهم مرتين لأن معاناتهم أكبر، أنت في بيئة شيعية مؤمنة، تتفاعل معك، تتفاعل معهم، وتذهب وتأتي براحتك، لست مضطرا إلى إخفاء شيء، ليست عندك معاناة مثل ذاك الإنسان الذي عنده معاناة كبيرة، ودائما في قلق وخوف لكيلا يُكْتشف ويُؤْذَى، فيؤتى أجره مرتين مثل هذا الإنسان. أبو طالب يقول، بناء على هذا البيت وهو غير صحيح على رأي بعض العارفين بالأدب العربي، لو فرضنا أن هذا البيت أيضا قاله، فغاية ما فيه أنه أنا أبو طالب لا أستطيع أن أصرح بهذا الكلام، لا أستطيع أن أبينه إلى الناس، أما أنا فمؤمن به، فهو شيء آخر. وعلى هذا المعدل تجد رسول الله صلى الله عليه وآله