يستدعي ويستذكر شعر أبي طالب في المواقع المختلفة، وهذا الشعر ليس في النبوة وإنما حتى قبل النبوة، في قضية لما أقحطت قريش وأجذبت، ومنع عنها قطر السماء، وكان زمان عبد المطلب، ورسول الله كان صغير السن، ربما ابن (٤) سنوات أو نحو ذلك، فاستغاث الناس بعبد المطلب، فجاء عبد المطلب يحمل ذاك الغلام محمدا، حتى جاء به وألصقه بظهر الكعبة، ورفع يديه إلى السماء، وأقسم على الله بحق الكعبة، وبحق هذا الغلام إلا ما سقى هؤلاء الناس من غيث السماء، فما أتم دعاءه إلا والسحب تتراكم، ويطم بعضها إلى بعض، وغابت الشمس من وراء السحاب، وأوجس الناس أنهم سيغرقون، فهرعوا إلى بيوتهم، ونزل الماء والمطر كأفواه القرب، وعبد المطلب يبتسم، سلام الله على عبدالمطلب، وعلى أبي طالب، وعلى رسول الله،
وهنا انبرى أبو طالب ليقول: وَأَبيَضَ يُستَسقى الغَمامُ بِوَجهِهِ... ثِمالُ اليَتامى عِصمَةٌ لِلأَرامِلِ نقول يا رسول الله، يا من استسقى بك جدك وعمك والناس فأغثتهم فأغثنا، يا رسول الله لقد أنقذت كفار قريش، وهم الجاحدون، بأن أغاثهم الله على يدك وببركاتك، ونحن نؤمن بك، ونسلم لك، ونصلي عليك، وعندنا حاجات ومطالب، نقدمك يا رسول الله بين يدي حاجاتنا إلى الله، فيا وجيها عند الله، اشفع لنا عند الله. هذا قبل النبوة، وعبدالمطلب يعرف شأن رسول الله، والقوم يشهدون على هذه المعجزة، وأما بعد النبوة فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وآله، ومعه العباس بن عبد المطلب لكي يطلب النصرة، العباس استقال، قال يا ابن أخي أنت تعلم بأن قريش هم أِلب واحد علينا، أعداء لنا، أنت قادم بهذا الشكل
سيفنوننا عن آخرنا، ولكن هَلُّم إلى عمك أبي طالب، ذاك (بقدها)، فجاء إلى أبي طالب، وقال له رسول الله إن الله قد بعثني نبيا لآمر بتوحيده ونبذ عبادة الأصنام، فهل تناصرني على ذلك؟ فقال له أبو طالب: وَاللَهِ لَن يَصِلوا إِلَيكَ بِجَمعِهِم... حَتّى أُوَسَّدَ في التُرابِ دَفينا فَاِصدَع بِأَمرِكَ ما عَلَيكَ غَضاضَةٌ...وَاِبشِر بِذاكَ وَقَرَّ مِنهُ عُيونا يا ابن أخي، أعلن صوتك، ولا تخف من أحد، إنك الرفيع جَدَاً، والأعلى نسبا، والله لا تطالك ألسنة حداد إلا نالته منا أسنة حداد، إذا واحد يتكلم عليك، لا نجيبه بالكلام، بل نجيبه بالسيف، انطلق، أنا وراك، وأناصرك، ولا تخفي شيئا عما قلت به. هذا الذي يجعله فيما بعد يقول لقريش: كَذَبْتُم وبَيْتِ اللهِ نُبْزى مُحمَّداً... ولمّا نُطاعِن دُونَه ونُناضِلِ ونُسْلِمُه حتى نُصرَّعَ حَوْلَهُ...
ونَذهَلُ عَنْ أَبْنائِنا والحَلائِلِ وهذا نفس الشعر الذي أراده النبي في غزوة بدر، في غزوة عندما برز أبناء عبد المطلب، والنبي يقول: أنت النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، فبرز الحمزة بن عبد المطلب، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب بن عبد المطلب، الطرف المقابل مَن؟ عتبة، شيبة، والوليد، فما عدا علي والحمزة أن قتل قرنيهما، وضرب مبارز عبيدة بن الحارث على رجله، فقطعها، وأجهز عليه، على العدو علي والحمزة، نقلوا عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب إلى خيمة رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال النبي لو كان أبو طالب حيا لقرت عينه، يرى إخوانه وأبناءه وأبناء إخوانه هم الذين يقاتلون وينصرون الطرف الأموي في نصرة رسول الله، لو كان يرى هذا تقر عينه
وَيُسَر، أيكم يحفظ شعر أبي طالب؟ فقام أحدهم وقال أنا يا رسول الله، وأنشد: وَأَبيَضَ يُستَسقى الغَمامُ بِوَجهِهِ... ثِمالُ اليَتامى عِصمَةٌ لِلأَرامِلِ فقال له رسول الله، نعم هذا شعر أبي طالب، ولكن أريد غيره، النبي يحفظ هذا الشعر، ولكن التزاما منه بأنه ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ﴾ [سورة يس: ٦٩]، ويجب عليه ألا يقرأ الشعر أمام الناس، قال من يقرأ لنا شعره؟ فقام آخر، وقال تقصد قوله: كَذَبْتُم وبَيْتِ اللهِ نُبْزى مُحمَّداً... ولمّا نُطاعِن دُونَه ونُناضِلِ قال نعم، هذا أريد، في أوج الانتصار، يقول لو كان أبو طالب موجودا، سيرى نتائج وثمرة دفاعه وجهاده ونصرته، الآن أثمرت في الانتصار على القرشيين، هذا في كلماته، وهي كثيرة، الوقت لا يسمح بأن نستعرض أكثر