تأسس بيت أمير المؤمنين عليه السلام وكان الأساس وما جيء به فسي البيت متواضعاً وبسيطاً، لأنهم يعلمون ويوجهون إلى أن السعادة ليست في غلاء الكنب أو السجاد الفاخر والأصباغ وغيرها من الأثاث الغالي، فهذه لا تجلب السعادة ولو جئتما بأفضل وأغلى الأثاث بدون أن تعرفا حق بعضكما البعض ولم تتسامحا لبعضكما البعض فلا يمكن لكل هذه الأشياء الغالية الثمن أن تصنع السعادة.
قال أمير المؤمنين عليه السلام لشخصٍ محدثٍ إياه: ألا أحدثك عني وعن فاطمة؟، وبدأ يتحدث صلوات الله وسلامه عليه، ومن حديثه قوله عليه السلام: فو الله ما أغضبتها ولا أكرهتها حتى قبضها الله، ولا أغضبتني ولا عصت لي أمراً، ولقد كنت أنظر إليها فتنكشف عني الأحزان والهموم بنظري إليها، ويكمل عليه السلام حتى يقول: (وكانت أحب أهله إليه (أي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) وكانت عندي، وإنها طحنت بالرحى حتى أثر في يدها، واستقت بالقربة حتى أثرت في نحرها، وكنست البيت حتى اغبرت ثيابها، فأصابها من ذلك ضرر عظيم، وقد أتى رسول الله سبي فقلت لها اذهبي واطلبي من أبيك خادمة، فذهبت إلى رسول الله وخجلت أن تتكلم إليه فقامت، فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيتها في اليوم الثاني
وقال: يا فاطمة ما حاجتك؟، فسكتت حياءً وخجلاً، فقال له علي: أنا أحدثك يا رسول الله، وأعاد عليه نفس الكلام وقال له بأنها ذهبت لتسألك خادمة واستحيت من ذلك، فالنبي صلى الله عليه وآله لجهة حكيمة ربما قد لا يريد أن يؤثر أهله الخاصين على سائر المسلمين فقال لها: يا فاطمة ألا أعطيك خيراً من الخادم؟، فقالت: بلى يا رسول الله، فقال لها: إذا أويت إلى مضجعك فسبحي الله ثلاثاً وثلاثين واحمديه ثلاثاً وثلاثين وكبريه أربعاً وثلاثين فهو خير لك من الخادم، فقالت: رضيت بما رضي لي الله ورسوله.
وهذه أيضاً رسالة إليك أيها الأب، كن حساساً لحال ابنتكن، استقصي عن حالها فقد يكون زوجها في عسر، اعطها مبلغاً من المال، فليس حراماً أن تنفق عليها عندما تتزوج، اجعلها عزيزة وذات كرامة من جهتك، فأحياناً بعض الآباء يكونون أرق وأعطف على الأولاد من البنات وهذا خطأ في مجتمعنا، فكم من الآباء من يفكر أن يعطي ابنته أرضاً؟ لكن الكثير يفكر أن يعطي لأبنه، ولذلك يصيب بعضهن ضرر.
فهذه فاطمة صلوات الله وسلامه عليها في بيتها، فهي بنت النبي والتي خُلِق نورها قبل خلق السماوات والأرض، ولولا علي لما كان لها كفؤ أبداً، فهي تعمل في بيتها حتى أصابها الضرر، وكذلك نرى المثالية في الأخلاق والقناعة عند فاطمة عليها السلام بأنها رضت بذلك التسبيح مع شدة حاجتها للخادمة، وفعلاً هو خير لها فلا يوجد أحد الآن من شيعة أهل البيت عليهم السلام يصلي صلاة إلا ويسبح تسبيحة الزهراء عليها السلام، ويكون جزء إن لم يكن نسخة كاملة من هذا الأجر لفاطمة عليها السلام لأنها السبب في مثل هذا التسبيح، فكم ترليون تسبيح باسم تسبيح الزهراء منذ أن شرع هذا التشريع الذي وصف في روايات الأئمة بالذكر الكثير، كما قال الله تعالى في كتابه: ((يا أيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً)) ويعني تسبيح فاطمة عليها السلام.
استمرت فاطمة عليها السلام في هذا البيت الشريف الذي أحيط بعناية ورعاية إلهية ونبوية، فأما الرعاية الإلهية بأنه نسب التطهير والإذهاب من الرجس إلى أهل هذا البيت، فإن الله سبحانه وتعالى يستطيع أن يقول في القرآن: إنما يريد الله أن يذهب عنكم الرجس يا آل محمد ويطهركم تطهيراً، لكنه عز وجل قال: ((إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجل أهل البيت ويطهركم تطهيراً))، ثم يأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الكساء ويفسر من هم أهل البيت وما هو شأنهم وما هي مرتبتهم وعلو درجتهم، وهذا البيت هو الذي يوصف في القرآن الكريم: ((في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال * رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله))، فيسأل أحد أصحاب النبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: بيت فاطمة منها؟، فقال له النبي: هو من أفضلها، فهذه بعض الرعاية الإلهية لهذا البيت العلوي الفاطمي.