الدينية. أما عن أحواله الشخصية فيُذْكَر الكثير، لكن نشير إشارة عابرة لعلها تكون محل اقتداء منا، صهره (الشريف أبو يعلى الجعفري)، زوج ابنة الشيخ المفيد، يذكر عن حياته، يقول ما كان (أبو عبد الله)، وهذه كنية الشيخ المفيد، ويكنى أيضا بـ(ابن المعلم)، ويلقب بـ(المفيد) كما مر علينا، يقول ما كان (أبو عبد الله) ينام من الليل إلا (هجعة قصيرة)، ثم يقوم فيصلي، ويطالع، ويكتب، ويتلو القرآن حتى يطلع الفجر، (هجعة قصيرة) من الليل، وبهذا استطاع أن يكتب كل هذه الكتب، (٢٠٠) كتاب كتبها، وكل كتاب فيه مجلدات، وفي مباحث علمية دقيقة وفي مواضيع مختلفة، ما تتناسب مع شخص لا يكون جادا. بعضنا نحن مثلي وأمثالي ينام (١٠) ساعات، هذه كيف تكون (هجعة من الليل)؟، هذه نومة أهل الكهف، أو أن
بعضهم بعدما ينام طول النهار، كما نُقل عن بعضهم، ينام من الفجر إلى قبل المغرب بقليل، يقوم بسرعة يصلي صلاة الظهر والعصر، بعد ذلك يقول الصوم يُعَطِّش كثيرا، أنت متى كنت مستيقظا حتى تشعر بالجوع والعطش؟ طيلة الوقت كنت نائما، هذه نومة أهل الكهف وليست (هجعة من الليل). هذا الشيخ الجليل يصفه العارف به، وهو صهره، يقول ما كان ينام من الليل إلا (هجعة قصيرة)، وليست نومة، ولا نومة طويلة، وإنما (هجعة قصيرة) ثم يقوم فيصلي، ويطالع، ويكتب، ويتلو القرآن. بهذه الطريقة علماؤنا حفظوا هذا المذهب، حقيقة شكر الله مسعاهم، حقيقة جزاهم الله خير الجزاء، ولو كانوا يفعلون كما نفعل، وأقصد نفسي لما قامت لهذا الدين قائمة، ولا انتشر فيه العلم، ولا عرفه الناس، لكن الله قَيَّظ بفضله لهذا الدين،
ولهذا المذهب مثل هذا الرجل، وأمثاله، فقام الدين على سوقه، وانتشر علما، ووعيا، ومعرفة. كان في فترة كما ذكرنا هي فترة سيطرة (الدولة البويهية) أو (الأسرة البويهية) على بغداد، أحب أن أَبْسط الكلام شيئا ما حول هذا الموضوع، لأن هناك بعض الإثارات ترتبط بهذا الموضوع، الدولة العباسية مرت بأدوار مختلفة من القوة والضعف، لكن من بداية سنوات (٣٠٠) فصاعدا أخذ الضعف ينخر في بدنها وهيكلها، خلفاء يأتون من غير مؤهلات، ثم يقضون أوقاتهم عادة في الشهوات، شيء حصل عليه لأن أباه خليفة هو أيضا جاء خليفة، لا تعبان فيها، لا ضرب فيها بسيف، ولا طعن فيها برمح، ولا جاء أيضا على أساس اختيار إلهي، ولا حتى اختيار شعبي. فكان الضعف هو الصفة الغالبة عليها، لكن كان رمز الدولة العباسية اسم
وكل ما ذهب خليفة قام ابنه أو أخوه مكانه، هذا يسمي نفسه (القادر بالله)، ذاك يسمي نفسه (الطائع)، إلى آخره من الأسماء، فبقي أن يلقبوا بـ(أعوذ بالله)، فهذه الدولة لم تكن مؤهلة للصمود بهذه المقاييس. هناك (أسرة بني بويه) باللغة العربية، وبالفارسية يقولون باللفظ (بویی)، هذه الأسرة كانت مكونة من (٣) إخوة، (أحمد) و(الحسن) و(علي)، وهؤلاء تعاضدوا فيما بينهم، وهم من (الديلم)، (الديلم) وراء خراسان، بما يشمل الآن الجمهوريات السوفييتية التي استقلت، هناك بدؤوا حركتهم، واستطاعوا أن يسيطروا على البلد، أخذوا حكم (الديلم)، بعد ذلك جاؤوا إلى خراسان، فأخذوا خراسان، بعد ذلك جاؤوا إلى بغداد، أخذوا بغداد بأسهل ما يكون لما ذكرنا، ولكن أبقوا الخليفة العباسي في مكانه، لم يمسوه بسوء، قالوا له نحن ندير البلد، وأنت على مكانك، وشهواتك،
وأموالك، ولعبك، وعبثك، ابق عليه، لكن إدارة البلد نحن نديرها، وكان ذلك في سنة (٣٣٤) هجرية، واستمرت سيطرتهم على بغداد بهذا النحو (١٢٠) سنة، يعني قريبا من (٤٥٠) تقريبا كانوا مسيطرين على بغداد، والخلفاء العباسيون يتبدلون، وهؤلاء (بني بويه) أيضا يتبدلون. الزمان الذي صادف فيه الشيخ المفيد رحمه الله، كما ذكرنا كان زمانا جيدا من حيث الانفتاح العلمي والفكري والديني، لما جاء (بنو بويه)، فتحوا الأبواب أمام الجميع، للأحناف كمذاهب فقهية، الشافعية، المالكية، الحنابلة، الزيدية، والإمامية الاثني عشرية، هؤلاء كانوا كمذاهب فقهية، وفتحوا الباب أيضا في النقاش للمدارس الكلامية والعقائدية، أشاعرة، معتزلة، خوارج، مرجئة، شيعة، هؤلاء بحوثهم في العقائد الأساسية، وأولئك في المذاهب الفقهية، وكان الوضع هكذا، وذكرنا أن الشيعة لا يحتاجون إلى وضع أحسن من هذا الوضع، أن يكون