ما بعد زمن الحامية التركية:
بعد فترة من الزمان انسحبت الحامية التركية من القطيف إثر مجيء مرسول من الرياض لضمها بالاتفاق مع كبارها وقسم كبير من أهلها، فتغيرت الأحوال فيها منها أن الحاج منصور بن جمعة توفاه الله إلى رحمته، لذلك انتقل ملا علي إلى البحرين حيث كانت تضج بالحركة العلمية والثقافية والخطابية رغم صغر مساحتها، وهناك استقر الملا علي وبرز نجمه كشاعر من شعراء الحسين عليه السلام بل يعتبر مؤسسًا لعدد من أبواب الشعر الحسيني، كما اختلط الملا علي بالناس وبدأ يتقن ما تعلمه من فن الخطابة بالممارسة والاستماع والملاحظة ومخالطة الخطباء وشيئًا فشيئًا تميز وتفوق.
أهل البحرين يحبون الملا علي:
استقر الملا علي في البحرين ولم يغادرها، واستقبله الأهالي استقبالًا حافلًا وكانوا يحبونه ويقبلون على الاستماع لمجالسه، وفيما ينقل أنه في إحدى المناسبات كانت عنده مجالس متعددة في مناطق مختلفة، وحين انتهى من مجلسه الأول في القرية ركب دابته متجهًا نحو القرية الأخرى وكان الوقت قد تأخر لأن المسافة تقارب عشرين كيلو مترًا، فانصرف الناس من الحسينية لأنهم ينامون باكرًا، فتأثر صاحب المأتم لذلك وقال للملا علي لا داعي للقراءة فالناس نيام لكن الملا علي رفض ذلك وقال له افتح الحسينية وسأقرأ ما تيسر لي من الرثاء ولك الثواب والجزاء إن شاء الله، وفعلا فتحت الحسينية وبدأ الملا علي يقرأ ووصل صوته إلى الناس حتى أيقظ بعضهم فتجمع المعزون في الحسينية وصار الإقبال قويًا على ذلك المجلس.
شعر الملا علي بن فايز:
كان الملا علي خطيبًا أفيض عليه الشعر حيث لم تكن له قدرة شاعرية من قبل بهذا النحو، حيث تفجر عنده ينبوع الشعر فأصبح شاعرًا بالبديهة فلا يحتاج لكتابة القصيدة مسبقًا وقد يكون ذلك لإخلاص نيته لله عز وجل، وهذا مما يميز شعره كما تميز بأنه سهل ممتنع وألفاظه تميل إلى اللهجة البحرانية، وكان خطابه جيدًا كما ابتكر أطوارًا جديدة نسبت إليه وهو الطور الفائزي بالرغم من ندرة نسبة الأطوار إلى الأشخاص فهي تنسب إلى الأماكن أو غيرها مثل الطور البحراني أو المجاريد وغيرها، ومازال هذا الطور يقرأ في مجالس الحسين بعد ١٢٠ سنة من وفاة شاعره، وما برحت أشعار الملا علي تقرأ على المنابر ويحفظها كبار الخطباء من أمثال الشيخ عبد الزهراء الكعبي والشيخ أحمد الوائلي -تغمدهما الله بالرحمة- والشيخ مرتضى الشاهرودي -دامت بركاته-، كما يحفظها الكثير من الموالين ولا يعلمون أنها من شعر الملا علي، ومنها ما يقرأ في شهادة الإمام الحسن -عليه السلام- وقيل أنها أول قصائده و بعد أن سمع ذاك الخطيب العراقي في مجلس الحاج منصور بن جمعة انبعثت في نفسه تلك القصيدة التي لا يكاد يخلو منها منبر في ذكرى شهادة الإمام الحسن -عليه السلام-:
نوحي على الأولاد يا زهرة الحزينة.
في كربلا واحد وواحد في المدينة.
كما استطاع الملا علي أن يجمع مصائب أهل البيت -عليهم السلام- في مصيبة الحسين -عليه السلام- فمصيبة الزهراء -سلام الله عليها- في رض ضلوعها، ومصيبة أمير المؤمنين -عليه السلام- في ضربه بالسيف، ومصيبة الإمام الحسن -عليه السلام- في سمه وكانت بعض السهام التي رميت عليه مسمومة، وزادوا على ذلك فأحرقت الخيام وشردت النساء والأطفال، تلك الحادثة يصورها الملا علي في شعره قائلًا:
طلعت يتيمة مروعة من خيمات حسين.
كلمن تلاقي تناشده درب الغري وين.
شافت لعين وقال ردي يا حزينة.
درب الغري وينك ووينه توصلينه.
ودرب بينك هالبر الأقفر كيف تقطعينه.
ردي الخيمة يا يتيمة لا تضيعين.
بين الملا علي والملا عطية:
كان الملا عطية الجمري -عليه الرحمة- يثني على الملا علي ثناءً كبيرًا وواضحًا رغم أنهما فارسان في مضمار واحد، ولكن ذلك يدل على تواضع الملا عطية وعلى مكانة الملا علي بن فايز -عليهما الرحمة-