الملا علي فايز وشعره الحسيني:
كتابة الفاضل فتحي العبد الله
ت/ فاطمة الشيخ منصور
حين يرتبط الإنسان بالله عز وجل وبمنهجه وشريعته ثم يعمل وفقا لهذا الارتباط فإنه سيبقى ولن ينتهي أو يفنى، لن ينتهي ذكرًا وأجرًا وعملًا صالحًا، بل لن يفنى ثوابًا وجزاءً، لأنه ارتبط بالله تعالى شأنه فاستمد القوة والبقاء والدوام من قوة الله وبقائه ودوامه، بينما إذا فُقد الارتباط بالله عز وجل وعمل الإنسان لنفسه فإن عمله سوف يصل إلى حدود هذا الإنسان فقط، حيث أن أقصى رصيد يملكه الإنسان هو العمر وهو يسير شيئًا فشيئًا نحو الفناء، فكم تريد من عمر أيها الإنسان؟
وهذا ما تشير له آيات من القرآن الكريم في قوله تعالى (ما عندكم ينفذ وما عند الله باقٍ) ومن مصاديق هذه الآية المرحوم الملا علي بن فايز الحجي المتوفى سنة ١٣٢٢للهجرة أي منذ ما يقارب ١٢٠ سنة، وقد وُلد محافظة الأحساء بمدينة الهفوف، وعاش بدايات شبابه فيها.
استثمار صحيح آخر خاطئ:
إن ما يملكه البشر من رصيد في الحياة متنوع ومختلف بين الأفراد، فالبعض منهم صوته عذب وحسن، والبعض الآخر قوي البنية مفتول العضلات، وأما الآخرون فرصيدهم شهادات علمية عالية، أو منزلة فكرية واجتماعية، وهؤلاء البشر يختلفون في استثمار هذا الرصيد أيضًا، فمنهم من يستثمره في سبيل الخير والصلاح وهو الاستثمار الصحيح الذي يعود على الفرد والمجتمع بالنفع والفائدة، وآخرون يستثمرونه في نشر الفساد والضلال وهذا استثمار في الطريق الخاطئ.
و في الأزمان القديمة كان الصوت العذب والجميل يمثل ثروة كبرى لعدم وجود المكبرات والمضخمات وما شابه ذلك من الأجهزة الصوتية المنتشرة في هذا الوقت، فالصوت الجميل ثروة يجب استثمارها وتوجيهها في الاتجاه الصحيح كالدعوة إلى الدين والخير أو في خدمة الحسين وأهل البيت عليهم السلام، وهذا ما قام به الملا علي بن فايز رحمه الله.
الحامية التركية:
كانت الحجاز وغيرها من بلاد المسلمين تحكم من قبل دولة الأتراك العثمانية، وكان الخلفاء العثمانيون في أسطنبول يعينون لهم ولاةً في المناطق التي تخضع لحكمهم، كما كانوا ينصبون الحاميات العسكرية فيها ويعينون لكل حامية قائدًا ورئيسًا، وذات مرة سمع رئيس الحامية في الأحساء أحدهم يترنم في استراحة الحفل وكان صوته عذب وجميل، فاستدعاه للإنشاد في المجال الديني الصوفي في الطابور واجتماع الجنود، ذاك كان الملا علي، وهذا الإنشاد مستمر حتى هذا الوقت في تركيا في بعض الاحتفالات لاسيما في مديح النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام، وفي بعض الطرق الصوفية ينشدون أشعار ابن الرومي وغيرها.
واستمر الملا علي يعمل في الحامية التركية حتى صدر قرارٌ من قبل الدولة العثمانية بنقل رئيس حامية الأحساء مع عدد من الضباط إلى القطيف، كما طلبوا من الملا علي مرافقتهم لكنه رفض ذلك متعللًا برعايته لأخته حيث كان العائل الوحيد لها، فصرفوا له راتبًا قويًا ونفقة خاصة لأخته أيضًا، ناهيك عن إمكانية أن يذهب لزيارتها بين فترة وأخرى، فانتقل معهم إلى القطيف واستمر عمله فيها وهو لا يزال شابًا حديث السن.
الملا علي في القطيف:
كان والي القطيف والمتصرف فيها باسم العثمانيين هو الحاج منصور بن جمعة الكويكبي، وكان يدير الاجتماعات الحكومية في المركز المسمى بالمنصورية، وهذا البناء أزيل من القطيف منذ فترة قصيرة من الزمن، وكان الحاج منصور ابن جمعة من الخيريين الذين تركوا آثارًا واضحة من الحسينيات والمساجد والحوزات العلمية في القطيف والأحساء.
وفي إحدى المناسبات سمع الحاج منصور صوت الملا علي وأعجب به، وبعد أن عرف أنه من هفوف الأحساء ومن أتباع الإمامية اقترح عليه أن يكون راثيًا للإمام الحسين عليه السلام خصوصًا أن صوته يؤهله لذلك، فيستفيد منه لدنياه وآخرته حيث سيحصل على المال ويستثمره في خدمة الحسين عليه السلام، فاستحسن الملا علي اقتراح الحاج واستجاب له لكنه لا يعرف طريقة الرثاء والنعي المعروفة عندهم، لكن الحاج أخبره بقدوم خطيب حسيني من العراق ونصحه بالاستماع لخطابته الجيدة والجلوس معه وتعلم الطريقة منه، وفعلًا استمع لخطابته فتعلم فن الخطابة وقيل أنه في ذلك الوقت أنشأ شعرًا مناسبًا لرثاء الإمام الحسين عليه السلام، وبهذه النصيحة تحول الملا علي إلى طريق الخدمة الحسينية وربما لولاها لما كان له أي ذكر الآن، وهذا يؤكد لنا أهمية النصيحة والتحريض على الخير والصلاح، فلنقترح ونشجع ونحرض الآخرين على الخير لننال ثوابهم وخلودهم.