ولكن الله قد قال ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) ارفعوها إلى بيت فلان الفقير ولم يتناول منها شيئًا . فإذن مثل هذه المظاهر والوقائع حببت الناس أكثر له ،فقد رأوا أن الإمام الرضا لم يتغير عليه شيء ولم يهوى بالدنيا ولم ينزل إلى مستوى شهواتها بل كان يصر في وقت الوجبة أن يحضر معه كل الخدم والعبيد ويجلسون معه ويأكلون معه بل كان يقوم على رؤوسهم ويخدمهم حتى قال له بعضهم في ذلك فقال إن الرب واحد والأب واحد . وهذا يعتبر من الكبائر في عرف تلك الطبقة السياسية والرسمية والسلطانية . فالإمام الرضا عليه السلام بين للمأمون ولعامة الناس بأن قماشتهم واحدة إن كانوا في السلطة وإن كانوا خارج السلطة لأنهم متعلقون بالله سبحانه وتعالى
. فيقول أبو الصلت أن أول غرض من أغراض المأمون لتقريب الإمام الرضا وتكريمه واحترامه وولاية العهد هو من أجل أن يبين للناس أن الإمام الرضا غير صادق فهو يظهر الزهد لأنه لم يحصل على الدنيا فإذا حصل عليها سينزلق فيها ، بينما رأى الناس أنه لم يتغير أبدًا . فاتجه المأمون نحو الخطة الثانية فيقول أبو الصلت فلما لم يظهر للناس إلا ما ازداد به فضلًا عندهم ومحلًا في نفوسهم اتجه نحو الخطة الثانية قال : جلب عليه المتكلمين من البلدان طمعًا في أن يقطعه واحدٌ منهم فيسقط محله عند العلماء وبسببهم يشتهر نقصه عند العامة .
فقام المأمون بعمل مؤتمر عالمي دعا إليه رأس الجاثليق (الكاثوليك ) ورأس الجالوت ( رئيس الطائفة اليهودية ) والهربد الأكبر ( رئيس المجوس ) وعمران الصابئي وهو رئيس الصابئة بالإضافة إلى الملاحدة وأصحاب المقالات العقلية ( الفلاسفة ) دعاهم جميعًا إلى مؤتمر ومجلس حوار . فتقول الرواية فلما اجتمعوا عنده أرسل خلف الإمام الرضا عليه السلام وقال له الرسول : إن المأمون ينتظرك وقد حضر عنده العلماء وهو يريد أن تسير إليه فورًا . وكان عند الإمام الرضا الحسين النوفلي وهو رجل من أهل العراق فقال له الإمام الرضا : ماذا تقول ؟ فقال : إن العلماء وأرباب الملل موجودين فالمأمون يريد منك أن تذهب إلى هناك ويصير نقاش بينكم وقسم من هؤلاء لا يعترف بأدلتك إذا استشهدت بآية فالمسيحي واليهودي يطلب منك الدليل من كتبهم والذي ليس عنده ديانة من الفلاسفة فيريدك منك أن تجيبه حسب عقله . فقال له الإمام : بلى ، كلامك صحيح ولكن أتريد أن تعرف متى يندم المأمون ؟ قال : متى يندم ؟ قال : عندما يراني أجيب أهل التوراة بتوراتهم وأجيب أهل الإنجيل بإنجيلهم وأجيب أهل الزبور بزبورهم وأجيب أهل العقول بعقولهم وبراهينهم وأنتصر عليهم جميعًا عندئذٍ يندم المأمون . وهذا ما حدث فقد ذهب الإمام الرضا في نفس الوقت وحدثت المناظرة وأول من بدأ عمران الصابئي ( وهذه المناظرات وهي حوالي تسع عشرة مناظرة تعرض لها المرحوم باقر شريف القرشي في كتابه حياة الإمام الرضا ) وقد بدأ مع عمران الصابئي وذاك يسأل والإمام يجيب إلى أن صار وقت الأذان فوصل عمران الصابئي إلى أنه يريد أن يتشهد الشهادتين هنا الإمام الرضا قال : هذا وقت الصلاة . فقال له عمران : الله الله فيَ يابن رسول الله فقلبي لان وأدلتي انتهت دقائق وأسلم ، قال : لا ما دام وقت الصلاة حان نقوم ونصلي فهذا نداء الله عز وجل ثم نستمر في الحديث . وهذا في الواقع يبين لنا مقدار احترام الإمام لأول الوقت بالرغم من أن الرجل وهو رئيس طائفة كبيرة وبقي القليل ليسلم وبالتالي يسلم من معه . هنا الإمام يقول هذا ليس نداءً عاديًا هذا نداء الله عز وجل حين يقول حي على الصلاة هذا في الواقع هو نداء الله لك يجب ألا تتأخر عنه . فقام عنهم الإمام وصلى ثم واصل الكلام معهم بعد الصلاة وآمن عمران الصابئي وقال : أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله