٢. موضوع العمق العلمي في هذه المناهج، قسم من الناس يأتي و يقول لماذا لا تسهل مثل هذه المناهج، بدل هذه العبارات و التعقيدات في الألفاظ وغير ذلك، لماذا لا يعتمد شيء بسيط و يسير؟ كيف الآن يمكننا قراءة الكتب الحديثة و الجرائد و المجلات؟ هذا قسم كبير منه مقصود، أن الإنسان لا يكون سطحيا في الفهم و إنما يكون دقيقا غاية الدقة و يتوقف أحيانا عند سطر واحد لكي يحل ما فيه من معاني و من قضايا، أحد مراجع التقليد الذي أنا سمعته بنفسي و هو من الفقهاء الكبار، توفي- رحمة الله عليه- كان يقول أنا مرت علي أيام أرجع إلى كتاب جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام للشيخ محمد حسن النجفي الجواهري صاحب كتاب الجواهر، يقول بعض الأحيان سطر واحد طول النهار أنا أفكر فيه: ماهو مقصود الشيخ ؟ هل هذا المقدار؟ أو أكثر أو هناك آفاق أعمق مما وصلت إليه؟ هذا يقدر المؤلف أن يكتب عبارته بشكل بسيط جدا، لكن هذه العبارة التي تكتب بشكل بسيط غالبا لا يكون فيها نفس العمق المعنوي إذا كتبها بطريقة أخرى، فكثيرا ما يكتب هؤولاء العلماء بطريقة الرمز و الإشارة، أي شيفرة، إذا واحد ما عنده مقدمات و ما عنده معرفة بالاصطلاحات يصعب عليه أن يستخرج من هذه العبارة مراد و مقصود هذا العالم، فأي منهج و أي برنامج لا يلاحظ فيه موضوع العمق العلمي الذي كان أساس تفوق هذه الحوزات على غيرها من المدارس و الجامعات بل المذاهب الأخرى، سر تفوقها ليس في مبانيها و لا راتبها و إنما فيما تحمله هذه الكتب من معان قوية، أي نوع من أنواع التجديد في الحوزة إذا لم يراع البقاء على العمق العلمي للمنهج لا ينفع الحوزات العلمية على الإطلاق..
٣. موضوع الحرية و أن لا تخضع الحوزة لسلطة سواء اجتماعية، سياسية أو أمنية أو غير ذلك، الحوزات العلمية الشيعية تميزت في طول التاريخ باستقلالها التام و أنها تتبع العالم أو المرجع أكثر من أن تتبع هذا المتسلط الاجتماعي أو القائد السياسي أو غير ذلك حتى لا يكون توجيه فكر الحوزة بحسب رأي محدد، و إنما تكون مساحة الحرية الفكرية واسعة، هذا الفقيه يدعو إلى رأي و ذاك إلى رأي آخر، هذا يستدل بطريقة و ذاك بطريقة أخرى، و لذلك احتوت هذه الحوزات على مختلف الاتجاهات في نفس النجف –مثلا- تجد اتجاهات فقهية أصولية فكرية مختلفة بين هذا العالم و ذاك العالم ، بين أتباع هذه المدرسة و أتباع تلك المدرسة و هكذا الحال في قم المقدسة و في سائر الأماكن و لا أحد يستطيع أن يقول للعالم الآخر اسكت، أي أن كل فقيه مؤهل تأهيلا علميا له الحق و الحرية في التوصل إلى آراء معينة..هذه من الأمور الضرورية التي لابد ان تراعى في قضية تجديد الحوزات العلمية إذا أريد ذلك، و عملا يحصل هذا التجديد و لكن بمقدار ما يكون مناسبا للحوزة العلمية تستقبله، و بالعكس تنفر منه و ترفضه،وهكذا إذا تجديد بمعنى تبسيط المواد و الحجم العلمي يكون قليلا، لا ينفع فلا يؤخذ به، و هكذا الحال -على سبيل المثال-إذا أريد توحيد كل الاتجاهات ضمن اتجاه واحد و سلب حالة الحرية العلمية، أيضا هذا لا يرحب به في الحوزات العلمية، و إنما يبقى المجال مفتوحا..
بهذا المقدار وجدنا الحوزات العلمية تحاول أن تطور نفسها في ضمن هذا الإطار، أما ما يتعلق ببعض التجديدات –مثلا- أن يجلسوا على الأرض أو على الكراسي ، يستخدمون السبورة أو لا، هذا أمر بسيط ، هذه وسائل، الكلام حول التجديد في الدوافع و المنهج و الاتجاه العام، هذه كانت مقدمة ضرورية للإجابة على مثل هذا السؤال الذي عادة يطرح و يذكر في الأوساط الثقافية ( لماذا لا تجدد الحوزات العلمية نفسها؟ و لماذا لا يحصل شيء من هذا القبيل؟) نقول: نعم للتجديد إذا كان ضمن هذه الأطر التي ذكرناها..