حوزة النجف وعرض مختصر لمراحلها التاريخية

حوزة النجف وعرض مختصر لمراحلها التاريخية
00:00 --:--

في زمانه أصبحت له مرجعية عجيبة وغريبة رحمه الله، فقد قسم فيها المهمات، مثلاً جعل شخصاً لمسائل القضاء، وجعل شخصاً آخر لمسائل صلاة الجماعة وما يرتبط بها والحقوق الشرعية وغير ذلك، وهكذا قسم أمور المرجعية فأنتج إنتاجاً كبيراً مع أنه توفي ولم يبلغ الستين من العمر.

خلَّف السيد بحر العلوم وراءه الكثير من العلماء ومنهم الشيخ جعفر كاشف الغطاء، فكاشف الغطاء هو لقب مستحدث وإلا هو من عائلة الجناجي، لكن بعض العلماء عندنا عُرِفوا بعناوين كتبهم، فلأنه ألف كتاب اسمه (كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء) سمي هو وأسرته من بعده أيضاً بآل كاشف الغطاء، فأحياناً يكون الكتاب هو الذي يعرِّف العائلة كعائلة جواهري مثلاً هم في الأصل يعملون في الصياغة وما شابه ذلك، لكن آل صاحب الجواهر وهو الشيح محمد حسن النجفي عندما ألف كتاب جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام وهو ٤٣ مجلد مطبوع الآن ولا يستغني عنه فقيه من الفقهاء إذا أراد البحث العلمي في مسائل الفقه، فبعدما ألف هذا الكتاب سمي بعد ذلك بالشيخ محمد حسن صاحب الجواهر، وصاحب الجواهر أصبحت الآن الجواهري، فعائلة الجواهري من العلماء ينتسبون إلى كتاب جدهم محمد حسن رحمه الله.

الشيخ جعفر كاشف الغطاء كان يتوسط بين الدولة العثمانية وبين الدولة الفارسية ويحل مشاكلهما باعتبار أنه كان موقراً ومعظماً عندهما، فكم سعى وراء هذا الباب لإطلاق سراح معتقلين وأسرى هنا وهناك، وكان كلما تصاعدت الأمور بفعل دعاة التفرقة وكلما أقبلت الحرب تراه يبادر إلى إطفاء الأمر من خلال وساطة من وساطاته رضوان الله تعالى عليه، وكان عنده أولاد علماء كثيرون ومتعددون واصلوا دوره وكانوا من تلامذته أيضاً، وبهذا تنتهي المرحلة الثالثة تقريباً.

المرحلة الرابعة تبدأ من زمان الشيخ الأنصاري رضوان الله تعالى عليه إلى زماننا هذا، وهي مرحلة جديدة ومدرسة أصولية متقدمة وناضجة، استقر فيها العلم في النجف الأشرف وأصبحت تقريباً هي الحوزة الرئيسية لعالم التشيع، قد تضعف في بعض السنوات لكن المستوى العام فيها كان مستوىً متقادماً، فهؤلاء الذين ذكرناهم من الأسماء لا يشكلون واحد بالمئة من الحجم العلمي في النجف الأشرف ولكن كما قلنا لا يمكن لنا أن نتطرق لكل هؤلاء العلماء.

هناك نقطة لا بأس لو تطرقنا إليها، فكثير من علمائنا عندهم خصائص ذاتية من الإخلاص ومن التفاني والإعراض عن الدنيا ما لا يستطيع ان يفهمه بعض الكتَّاب الذين هم خارج هذا الإطار، فهم كالذي يريد أن يعرف عدد غرف أحد البيوت من الخارج، فهذا غير صحيح بل لا بد أن يدخل إلى داخل الدار ويفتش الغرف واحدة واحدة.

مثال على ذلك: عندما حضرت صاحب الجواهر الوفاة، فمجموعة من الحاضرين الذي كانوا يحضرون درسه كانوا قدر رشحوا عدة أفراد من العلماء لكي يخلفوا صاحب الجواهر في المرجعية، لكن الشيخ صاحب الجواهر أعرض عن كل هؤلاء وأوصى بالشيخ مرتضى الأنصاري، وقد سمي بالأنصاري لأن نسبه ينتهي إلى جابر بن عبد الله الأنصاري رضوان الله تعالى عليه صاحب رسول الله وأمير المؤمنين والحسنين عليهما السلام، فقد أوصى به صاحب الجواهر مع أنه لم يكن من تلامذته بل حضر درسه فترة بسيطة لكن لملاحظة صاحب الجواهر  بعلمية الشيخ الأنصاري وزهده، فاستدعاه صاحب الجواهر وطلب من أصحابه أن يبحثوا عنه فوجدوه في حرم أمير المؤمنين عليه السلام يصلي ويدعو لشفاء وعافية صاحب الجواهر، فطلبوا منه أن يحضر لصاحب الجواهر فذهب إليه وجلس عنده وقال له: يا شيخ مرتضى خفف من احتياطاتك على الناس وأفتي الناس وأشار إليه بالمرجعية من بعده.

نلاحظ هنا أنه لم يكن في بال الشيخ الأنصاري أن يرشح نفسه بل كان يدعو لصاحب الجواهر باعتبار أنه صاحب المرجعية وعمود الخيمة، وبنفس الطريقة أيضاً كان الشيخ صاحب الجواهر يرى أن الشيخ الأنصاري هو الأصلح والأعلم والأنفع، ولأن الشيخ الأنصاري كان زاهداً جداً ومحتاطاً قال له الشيخ صاحب الجواهر بأن يخفف احتياطاته على الناس، ومنها أصبح الشيخ الأنصاري هو رأس الحوزات العلمية بعدما توفي صاحب الجواهر رضوان الله تعالى عليه في عام ١٢٦٦ للهجرة، وقد توفي الشيخ الأنصاري عام ١٢٨١ للهجرة.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٥

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة