حوزة النجف وعرض مختصر لمراحلها التاريخية

حوزة النجف وعرض مختصر لمراحلها التاريخية
00:00 --:--

لما جاء الشيخ الأنصاري واستلم الأمر وضع العلم الأصولي على سكة جديدة وطريقة جديدة بحيث أنه إلى يومنا هذا لا يزال العلماء في الحوزة العلمية يدورون ويحومون حول كلمات الشيخ الأنصاري مع تجديداتهم وآرائهم وابتكاراتهم، لكن الهيكل العظمي لهذا البدن العلمي الأصولي والفقهي وضعه الشيخ الأنصاري رضوان الله تعالى عليه وتابع العلماء من بعده هذه المسيرة وهذا المشوار، كتلميذه الفقيه آغا رضا الهمداني، لاخوند الخراساني وغيرهم، وهؤلاء هم أساتذة أساتذة مراجعنا الآن كالسيد الحكيم والخوئي والشيرازي ومشايخ آل ياسين والسيد الصدر رضوان الله تعالى عليه وغيرهم، فهؤلاء العلماء إما أنهم تلامذة مباشرين لتلامذة الاخوند أو تلامذة غير مباشرين، فوصلنا إلى هذا الوضع الذي تعيشه الحوزة العلمية في النجف الأشرف وهذا عرض سريع وخاطف وغير وافٍ بكل الحقيقة.

الحوزة والعلماء والمرجعية لا تعني أنهم مشغولون فقط بقضية الدرس والبحث، فلا ينبغي التصور بأن هذا المرجع عمله فقط أن يدرس الفقه والأصول، نعم إن هذا هو شغله الأساسي باعتبار أن توضيح الشريعة وبيان الأحكام هي أهم مهمة لهؤلاء، لأن عمل الإنسان في الحياة وهدف وجوده هو العبادة كما قال تعالى: ((وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون))، فالعبادة تتوقف على شرائط وأفعال وقيود وأحكام، فإذا لم تأتي هذه العبادة على الوجهة الصحيحة بشرائطها وكيفيتها وأحكامها الصحيحة فهي عبادة غير مقبولة، وإذا كانت العبادة غير مقبولة فهدف الإنسان في الحياة لم يتحقق، وهذا يفسر القول المعروف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة) أي أن الوجوب العيني على كل إنسان مسلم هو طلب العلم الديني الذي يرتبط بالعبادات.

إذاً فهذا الدور الأصلي للعلماء والفقهاء وللحوزات العلمية، لكن لا يعني ذلك انهم لا يقومون بأعمال أخرى، فكما ذكرنا الشيخ جعفر كاشف الغطاء رحمة الله تعالى عليه كان يتوسط بين الدولتين الفارسية والتركية حتى لا تقع حروب تطحن المسلمين تحت سنابكها، وأيضاً كانت هناك مشكلة قديمة في النجف ولا تزال إلى الآن وهي قضية الماء، حتى أنه كان في بعض السنوات يحتاجون إلى ماء الشرب فلا يجدونه، فقالم صاحب الجواهر رضوان الله تعالى عليه بشق نهر يتفرع من الكوفة إلى النجف أي ما يقارب ٦ كيلو مترات، وكان يكلف هذا العمل أموالاً طائلة، لكن عندما رأى الناس عزيمته جاء التجار وأهل الخير وكل منهم بالمقدار الذي يستطيع حتى أنشأوا ذلك النهر واستمر يسقي أهل النجف فترة طويلة إلى أن دمِّر ذلك الإمتداد وطمر ذلك النهر على أثر الخطوات التي قامت بها بعض الحكومات.

ونفسه صاحب الجواهر رضوان الله تعالى عليه أمر بتشييد مآذن لمسجد الكوفة وقال أن هذا مسجد أمير المؤمنين عليه السلام ولابد ان يعمر اكثر، وأمر أيضاً بتشييد مرقد وصحن ومشهد لمسلم بن عقيل بن أبي طالب عليه السلام بحكم أنه أول شهداء النهضة الحسينية وله حق على كل مسلم، بل وهو من الذرية الطالبية الهاشمية وهو رسول الحسين عليه السلام الذي قال فيه الحسين عليه السلام ما قال عندما أرسل رسالة إلى أهل الكوفة:

إني باعث إليكم أخي وابن عمي وثقتي من اهل بيتي مسلم بن عقيل، حتى يرى خبر ملئكم، فإن أخبرني على ما جاءت به كتبكم كتب إلى حتى أقدم سريعاً إن شاء الله.

فكان مسلم بن عقيل عليه السلام هو أول شهداء هذه النهضة.

رسول حسين ونعم الرسول        إليهم من العترة الصالحة

لقد بايعوا رغبة منهم               فيا بؤس للبيعة الكاشحة

وقد خذلوه وقد أسلموه              وغدرتهم لم تزل واضحة

فيا بن عقيل فدتك النفوس          لعظم رزيتك الفادحة

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٥

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة