حوزة النجف وعرض مختصر لمراحلها التاريخية
كتابة الفاضلة أم سيد رضا
روي عن سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: (من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة) صدق سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
حديثنا بإذن الله تعالى يتناول شيئاً من التطور التاريخي للحوزة العلمية في النجف الأشرف بعدما تحدثنا في وقت مضى عن بداية تأسيسها على يد شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي رضوان الله تعالى عليه، الذي توفي سنة ٤٦٠ للهجرة، حيث خرج من بغداد على أثر الأحداث الطائفية التعصبية التي حدثت هناك وجاء إلى النجف الأشرف مجاوراً لأمير المؤمنين ومعه كانت البداية الحقيقية للحوزة العلمية في النجف الأشرف، وهذا سبق الحديث عنه.
بطبيعة الحال فإن هذا التاريخ الذي يمتد أكثر من ألف سنة من الزمان يصعب على الإنسان أن يختصره في أربعين دقيقة إن قلت أو كثرت، فإنه قد كتبت مجلدات في موضوع تاريخ الحوزة العلمية، لكننا نشير إلى بعض أهم المراحل الأساسية ونعنونها بأبرز العلماء، فلا يعني ذلك أنه فقط هؤلاء العلماء الذين مارسوا الدور العلمي وأثروا الساحة العلمية، لكن كما ذكرنا فإنه لا يمكن أن نتطرق إلى كل الأسماء بل سنكتفي بمقدار مختصر عن كل المراحل، ونعلم أن هذا ليس كافياً وليس مستوعباً ولكنه يمكن أن يعطي صورة إجمالية مصغرة عما كان الواقع عليه.
بعد هذه المرحلة ذكرنا أن الحوزة العلمية انتقلت إلى الحلة حتى أوائل القرن العاشر الهجري، فقد وجد في النجف الأشرف عدد من العلماء الكبير الذي أثرى وجودهم الحوزة العلمية، فكما نرى أنه عادة عندما يتواجد عالم كبير في المنطقة فإنه يجذب إليه طلاب العلم، فإذا تكاثر هؤلاء تكون قد تأسست حوزة، وبنفس المقدار إذا لم يكن هناك علماء كبار فإنه سوف يتراجع ويتأثر سلبياً موقع تلك الحوزة العلمية.
في النجف الأشرف برز علماء منهم المرحوم الشيخ علي عبد العال الكركي من جبل لبنان من عامل، فقد انتقل من بلده إلى النجف الأشرف وكان عالماً كبيراً ومتميزاً وله كتاب اسمه (جامع المقاصد) في الفقه الإسلامي على نحو الإستدلال وهو في ٣٢ جزء في بعض طبعاته، ويسمى بالمحقق الثاني في عرف الفقهاء، فإن هذا العالم عندما أتى أعطى للحوزة العلمية في النجف زخماً إضافياً، وهو نفسه الذي استعان به فيما بعد الشاه إسماعيل الصفوي واستقدمه إلى إيران، فقد كان المذهب الرسمي في إيران قبل الصفويين ليس مذهب التشيع، ولكن بعدما جاء الصفويون وهم في الأصل لم يكونوا شيعة بالرغم من أنهم كانوا سادة من اهل البيت ولكنهم لم يكونوا شيعة بل كانوا على طريقة أهل السنة وكانوا طريقة صوفية، فيما بعد على أثر ظروف معينة حدث تحول عند أبيهم صفي الدين وأصبح شيعياً إمامياً وبعد ذلك أبناؤه أيضاً أصبحوا كذلك فأصبحت عندهم قوة للسيطرة على منطقتهم بالتدريج حتى سيطروا على كل إيران وأعلنوا الدولة الصفوية نسبة إلى أبيهم صفي الدين.
هؤلاء عندما أتوا في عام ١٩٠٠ للهجرة فصاعداً اتخذوا منهج أهل البيت وأصبحت عندهم الإمامية كمنهج رسمي وبالتالي يحتاجون إلى تثقيف وتعليم للمجتمع وصلوات الجماعات وكل الجهاز الديني يجب أن يكون إمامياً، فكان أول من استقدموه هو الشيخ علي عبد العال الكركي المتوفي في حدود سنة ١٩٤٠ للهجرة، وانتقل من النجف الأشرف إلى إيران، فكان وجوده أساساً في النجف الأشرف جعل الكثير من العلماء وطلاب العلم يجتمعون تحت منبره ودرسه مما زاد نمو الحوزة العلمية في النجف.
من أعلام الحوزة العلمية أيضاً هو الشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي من أهالي منطقة القطيف، وقد كان عالماً كبيراً جداً ينافس الشيخ علي عبد العال الكركي في عليته وفقهه، وله نحو واحد وعشرين كتاباً في الفقه والعلوم الإسلامية الأخرى، فقد كان الشيخ إبراهيم رحمه الله على خلاف الشيخ الكركي الذي استجاب لطلب الصفويين بأن يذهب إلى إيران ويبدأ بإصدار المراسيم وتعيين أئمة الجماعة والخطباء وغير ذلك، لكن الشيخ فاضل القطيفي لم يقبل هذا ولم يتفاعل معه كثيراً بل بقي في النجف الأشرف، فتلامذه هذين العالمين ومن جاء بعدهم استمروا في النجف الأشرف وازدهرت الحوزة العلمية من جديد وأصبحت تجتذب إليها العلماء والفقهاء بعدما خمدت وانتقل العلماء إلى الحلة، فقد كان الشيخ الكركي بإعتبار أنه كان في إيران كانت تأتيه الحقوق الشرعية والأوقاف والأموال فقد كان يصرف جزءاً منها على الحزة العلمية في النجف الأشرف وعلى طلابها في إعمار المدارس ورواتب الطلاب وغيرها مما أدى إلى ازدهار مضاعف في الحوزة العلمية.