الحوزة العلمية في جبل عامل

الحوزة العلمية في جبل عامل
00:00 --:--

   وكان عند الشهيد الثاني أيضًا إحاطة كبيرة بكافة المذاهب بل أكثر من هذا عين من قبل السلطان العثماني كي يدير المدرسة العلمية في بعلبك التابعة للدولة وهي مدرسة غير شيعية ويدرس فيها ويديرها نظرًا لتبحره وتسلطه على فقه المذاهب الأخرى ، لكنه ذهب ضحية وشاية .

   هذا بالنسبة للشهيد الثاني وبعد ذلك تكر سبحة العلماء وهم كثير لأن هذه الحوزة منذ بدأت حوالي سنة ٧٧٠هـ إلى أيامنا هذه لا تزال تعطي عالم التشيع قامات علمية كبيرة ، صحيح أنه في البداية الحوزة العلمية في جبل عامل تأخرت حتى ظهرت لكن بمجرد أن ظهرت وبالرغم من الظروف الصعبة التي عاشتها في زمان المماليك والعثمانيين في بعض  الفترات في زمان الأيوبيين لكن برز منها علماء ما بقت حدود علميتهم وشهرتهم في نفس تلك المنطقة وإنما أصبحوا علماء للطائفة وصارت كتبهم تدرس في النجف الأشرف .

     ومن أولئك أيضًا الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي رضوان الله عليه صاحب كتاب (وسائل الشيعة )مطبوع في ثلاثين مجلد يحتوي على روايات وأحاديث أهل البيت عليهم السلام مما لا يمكن أن يستغني عنه فقيهٌ في الاستدلال وهو بالطبع على طريقة منهج المحدثين والأخباريين لكن لا يزال هذا الكتاب لا تخلو منه مكتبة عالمٍ من العلماء إذا كان يريد أن يستدل في أمور الفقه وأحكام الشريعة . وقد كان في لبنان أول أمره وانتقل إلى النجف فترةً من الزمان وذهب إلى إيران وهو مدفون في إيران في صحن الإمام الرضا عليه السلام . 

   ومن أولئكم الشيخ البهائي رضوان الله تعالى عليه وهو فلتة من فلتات الزمان فهو كما وصف ذو فنون وهو عاملي أيضًا من جبل عامل ففي الرياضيات لا يشق له غبار ، وفي الهندسة حدث ولا حرج ، وفي الفلك كذلك ، بل زُعم أنه كان قد أوقد شمعةً واحدةً وجعلها في الحمام الكبير في أصفهان وظلت تعمل هذه الشمعة ثمان سنوات تسخن الماء بدرجات عالية وتسخن المكان وأصفهان المثلجة شتاءً هذا المكان يكاد يكون كالتنور بشمعةٍ واحدة . وبعضهم يقول قد تكون هذه طاقة غير الطاقات المعروفة من النفط وما شابه ذلك وبعضهم قال لعلها طاقة إشعاعية وغير ذلك لا أحد يدري وبعد مدةٍ كما يزعمون جاء البريطانيون  وأخذوا هذه الشمعة حتى يفحصوها فانطفأت ولم يعرف سرها وعاد ذلك الحمام باردًا كالثلج كما يقولون . وهذا عالم دين والأعاجيب الموجودة في هندسة حرم الإمام أمير المؤمنين والتي تحدث بعض المهندسين في بعض البرامج أنها ترتبط بحركة الشمس بحيث أنه في كل الأشهر صيف وشتاء لا بد أن تصل الشمس إلى نقطة معينة وقضية القبلة ونسبة المنارات إلى القبلة بنظام دقيق يحتاج إلى دراسة وهذا كله من تخطيطات الشيخ البهائي رضوان الله تعالى عليه .

    هذا في العلوم الطبيعية وعنده أيضًا تبحرًا خاصًا في الأمور الدينية وله هجرات كثيرة استطاع من خلالها أن يعرف بمذهب أهل البيت عليهم السلام وقد بينا شيئًا من علميته في كتاب (أعلام الإمامية ) . وأخيرًا ذهب إلى إيران وكان في أصفهان وفيها إلى الآن يتحدثون عن الجامع الكبير في أصفهان إذا وقف الخطيب على صخرةٍ معينة في ذلك الجامع فإن الصوت يكبر ويتكرر ويقف على صخرة إلى جانبها تمامًا لا يحدث شيء وهذه أيضًا من ضمن هندسة الشيخ البهائي ، فكان له باعٌ طويلٌ في هذه العلوم المعاصرة بالإضافة إلى جوانب العلوم الدينية والإسلامية .

   وأمثاله كثيرون كالشيخ حسن بن الشهيد الثاني صاحب كتاب ( معالم الدين ) الذي لايزال يدرس ، والسيد صاحب كتاب (مدارك الأحكام ) وغيرهم مما لا يحصون كثرةً .

   يلاحظ في تلك المنطقة أن أبرز علمائها وهم الشهيد الأول محمد بن مكي العاملي والشهيد الثاني زين الدين العاملي ذهبا إلى رضوان الله في ميعة الشباب في سن الخمسين وحواليها وذلك على أثر إعدامهما بيد المتنفذين في ذلك الوقت فالشهيد الأول قيل أنه حصل نوع من التعاون بين فرقةٍ منحرفةٍ من الصوفية الذين زعموا انتماءهم إلى أهل البيت ، والتشيع أساسًا لا ينسجم كثيرًا مع مذاق الصوفية وعندنا ذم كثير جدًا من قبل أهل البيت عليهم السلام لحركات التصوف ، فإذا عندك توجه روحي توجه إلى مفاتيح الجنان والصحيفة السجادية ففيه كفاية وزيادة وأكثر من ذلك يقذفك في ضلالات التصوف وآنئذٍ تكون مذمومًا من أهل البيت عليهم السلام . ففي زمان الشهيد الأول نجمت ناجمة وظهر شخص باس اليالوش أو الجالوش كان يزعم أنه من أتباع أهل البيت لكنه سلك طريق التصوف الشديد واستورد بعض المناهج الصوفية من الهند وغيرها من الأماكن التي هي عادةً منبع لهذه الحركات . فبين الشهيد الأول للناس أن الموقف الشرعي لأئمة أهل البيت عليهم السلام هو مخالفة هذه الحركات المتصوفة وأنه الاتجاه الروحي والإخلاص لله عز وجل موجود عند أهل البيت ولكن ليس بهذه الصورة ولأنه كان مسموع الكلمة أولئك تعمدوه بالعداوة فاتفقوا مع قاضٍ كان متعصبًا جدًا ويقال له برهان الدين المالكي وآخر اسمه ابن جماعة ، كلاهما كان متعصبًا وكانوا يرون في الشهيد الثاني وعلميته واستقطابه للناس بناءً على هذه الحالة العلمية تهديدًا لهم ، فهذا من جهة وهؤلاء من جهةٍ أخرى وكتبوا تهم للشهيد الأول وهو بريءٌ منها مثل أنه يحلل الخمر وغيرها وقضاة الباطل وكان في أنفسهم هذا الحنق عليه وانتظار الفرصة فقبلوا شهادتهم وبالفعل نُفِذ فيه حمك القتل بعد أن سُجِن سنةً وهو في السجن كان يقول لهم : أرسلوني إلى السلطان العثماني الذي ترجعون إليه وهناك تُقام عليَ الدعوى وأنا أدافع عن نفسي بما ينبغي ولأنهم كانوا يريدون قتله فما قبلوا ذلك ونفذوا فيه حكم الإعدام قتلًا بالسيف فذهب إلى رضوان الله تعالى .

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة