الحوزة العلمية في جبل عامل
كتابة الفاضلة ليلى الشافعي
حديثنا باذن الله تعالى ضمن سياق الحديث عن الحوزات العلمية في بلدان الشيعة يتناول هذه الليلة شيئًا عن الحوزة العلمية في جبل عامل في لبنان . جبل عامل أو عاملة نسبة إلى رأس القبيلة اليمنية التي هاجرت إلى لبنان وهي عاملة بنت سبأ وقد قالوا أنه لما صار السيل المشهور سيل العرم في التاريخ السحيق أيام سبأ حصلت هجرة ضخمة من بلاد اليمن باتجاه الشمال وأساسًا العرب خزانهم البشري الأساس هو اليمن وهم الأكثرية التي تشكل القبائل العربية وصارت لهم هجرات متعددة منها ما حصل بعد سيل العرم الذي دمر سد مأرب وعلى أثر ذلك انهارت الحياة الاجتماعية والاقتصادية في تلك البلاد فهاجر الناس يمينًا وشمالًا وكان من جملة من هاجر قبيلة عاملة وهي من أهل سبأ باتجاه الشمال وقصدوا إلى لبنان ومنطقة الجبل في لبنان تمتد تقريبًا من حدود شمال لبنان إلى جهة الجنوب وسميت هذه المنطقة باسم هذه القبيلة وينسب إليه الناس فيقال العاملي .
دخل التشيع إلى لبنان بعد هجرةٍ أخرى على ما هو الصحيح والتي حدثت في زمن الحجاج بن يوسف الثقفي لما جاء بكل إرهابه وإرعابه لعامة الناس ولشيعة علي بن أبي طالب عليه السلام على وجه الخصوص فقام بتهجير قبائل كثيرة وبعض المؤرخين يوصل العدد إلى أكثر من ثلاثين ألف ممن هجروا من الكوفة وسواء كان هذا العدد دقيق أو لم يكن دقيقًا إلا أن من الواضح أن الذي قام الحاكم المجرم بتهجيره عدد كبيرٍ من شيعة أهل البيت تحت تهديد القتل والسجن وبالفعل قتل عدد كبير منهم وأحيانًا بدون سبب فيجلس مثلًا ويقول من منكم يدلني على رجلٍ كان أثيرًا عند أبي تراب فيقولون له مثلًا قنبر أو كميل أو فلان وهكذا وكان إذا عثر عليهم يقوم بقتلهم . وبالنسبة للقبائل والعشائر هاجرت من الكوفة قسم منها باتجاه إيران كما ذكرنا سابقًا وهم الأشعريون وهم من القبائل اليمنية التي أصولها من اليمن وانتقلت إلى الكوفة واستوطنوا فيها واضطروا إلى الهجرة والجلاء باتجاه قم المقدسة وأصبحوا بالتدريج هم قادة منطقة قم .
قسم آخر منهم ذهبوا باتجاه بلاد الشام ومن الطبيعي أنهم لن يذهبوا باتجاه دمشق لأنها مقر الأمويين فسلكوا طريق بلاد لبنان وبقوا في هذه المنطقة ومنهم بالتدريج تكون وجود التشيع هناك ، وهذا على الرأي الأصح . وهناك رأي آخر يذهب إليه بعض الباحثين ويقولون أنه سبق هذه الفترة إلى لبنان قدوم أبي ذر الغفاري عندما أشخصه الخليفة الثالث من المدينة المنورة إلى بلاد الشام وبقي فيها فترةً من الزمان وذهب إلى لبنان وغرس بذور التشيع هناك وأرسل فيما بعد معاوية إلى عثمان أنه هذا يفسد علي البلاد فيتحدث بأحاديث عن رسول الله في مدح علي بن أبي طالب وأمثال ذلك لذا سأرجعه إلى المدينة وبالفعل أعاده إلى المدينة وتم إشخاصه مرةً أخرى إلى الربذة في أطراف المدينة المنورة وقبره الآن هناك وتوفي غريبًا في تلك الأرض رضوان الله عليه . وهذه النظرية يرتاح إليها باحثون من أن أبا ذر الغفاري هو من زرع غرستهم لكن المحققين من الباحثين لا يقبلون هذا المعنى ويقولون لم يثبت أن أبا ذر بقي فترةً في لبنان مطلق السراح يبلغ أفكاره وآراءه وإنما بقي في بلاد الشام في دمشق تحديدًا ثم بعد ذلك أرسله معاوية من جديد إلى المدينة المنورة . فإذن هذه المنطقة التي صار اسمها جبل عامل عرفت التشيع بناءً على ماهو مختار المحققين في حدود سنة خمس وسبعين للهجرة فصاعدًا إلى أن ذهبوا هناك ومن الطبيعي أن أي مجتمع شيعي عندما يذهب إلى مكان يبدأ يعرب عن نفسه وهذه من ميزات التشيع وهي غير موجودة في سائر المذاهب الأخرى وهذه من بركات هذه البرامج ، فعلى سبيل المثال حين يأتي محرم في أي مكان لابد أن يعمل شيء مجلس قراءة أو عزاء أوغيره وكل ماكان عنده مجال زاد في ذلك فهو لا يستطيع أن يجلس هكذا فأساسًا التشيع يعلن عن نفسه بممارساته وشعائره فهو دعوة ولباسه دعوة وعزاءه دعوة وشعاره دعوة وأمثال ذلك. فمن الطبيعي حين ذهبوا إلى لبنان بدؤوا يؤثرون في جوارهم من مسيحيين كانوا قبلهم ومن مسلمين من غير أتباع أهل البيت عليهم السلام وبالتدريج أصبح هناك وجود شيعي وإماميٌ واضح .