وقصة رؤية الشيخ المفيد في المنام أنه يعلم الفقه للسيد المرتضى والسيد الرضي مشهورة. حيث جاء فيها: حدثني فخار بن معد العلوي الموسوي رحمه الله قال:
رأى المفيد أبو عبد الله محمد بن النعمان الفقيه الإمام في منامه كأن فاطمة بنت رسول الله دخلت عليه وهو في مسجده بالكرخ و معها ولداها الحسن و الحسين صغيرين فسلمتهما إليه وقالت له: علمهما الفقه فانتبه متعجباً من ذلك فلما تعالى النهار في صبيحة تلك الليلة التي رأى فيها الرؤيا دخلت إليه المسجد فاطمة بنت الناصر و حولها جواريها و بين يديها ابناها محمد الرضي و علي المرتضى صغيرين ، فقام إليها وسلم عليها فقالت له: أيها الشيخ هذان ولداي قد أحضرتهما لتعلمهما الفقه فبكى أبو عبد الله و قص عليها المنام وتولى تعليمهما الفقه وأنعم الله عليهما وفتح لهما من أبواب العلوم و الفضائل ما اشتهر عنهما في آفاق الدنيا وهو باق ما بقي الدهر.
نرى في هذا المعنى ما يشير الى مسؤولية الام وعظمتها ولزوم تحملها لمسؤولية التربية والتعليم وان لا تقذف بالقضية على الاب فقط.
فهنا والد الشريفين كان رئيس نقابة الطالبيين ولكن هذه الام الفاضلة ترى ان من مسؤوليتها ان تأتي بابنيها الى الشيخ المفيد لكي يعلمهما الفقه وعلوم الإسلام.
فلم تقل كما البعض والدهم موجود فهو المكلف بان يأمرهم للصلاة وهو المكلف بإيقاظهم، لا الأمر أنه هو مسؤول وهي أيضاً مسؤولة.
وقد رأينا ان أثر الأمهات في هذا الجانب ابلغ من تأثير الاب، فنراه مع الام يستجيب سريعاً ومع الاب قد يتأخر.
وكذا في المسائل الدينية، الذهاب للمسجد وتعلم القرآن، توجيهه لتعلم الدين هذه من الأمور التي يجب ان تحرص عليها الأمهات وهي من الأجزاء المهمة في التربية.
ان تكتفي الام بالطبخ وما شابه ذلك هو دور مطلوب وحسن ولكن التربية والحرص على اخلاقهم ودينهم وعلمهم هو من الأدوار المهمة، فهي مسؤولة وهو مسؤول.
من ذلك الوقت بدأ مشوارهما العلمي ونبغا نبوغاً مبكراً.
الشريف الرضي وهو محل حديثنا وقلنا انه اشتهر بالشعر وبالذات في رثاء الامام الحسين عليه السلام.
نما نمواً مبكراً وهو وإن لم يسعفه العمر بالطول حيث توفي وعمره ٤٧ سنة فقط، يعني في بدايات عمره، لكنه خلف من الاثار ما خَلُدَ به من أهمها انه حفظ لنا كلام امير المؤمنين عليه السلام المعروف عندنا بنهج البلاغة.
كتبَ الشّعر في سنّ الطفولة قبل أن يبلغَ العشر سنوات، فكتب في جميع فنون الشعر العربي، وقُسِّم شعره إلى أقسام، مثل:
الحجازيات، والرثائيات، والفخريات، والشيعيات،
وأجاد في جميع أغراض الشعر، وامتاز شعره بالبلاغة، والبداوة، والبراعة، وعذوبة الألفاظ، فكان شعرُه صافيًا وجميلًا،
ولم يستخدم الألفاظ النابية أو الهجاء المُقذع.
كان كلام امير المؤمنين وحكمه ورسائله مبعثرة فقسم محفوظ في الصدور وقسم في أجزاء قليلة وكان من المحتمل ان يضيع كل ذلك ، مثلما ضاع حديث وخطب رسول الله الكثير نعم بلورها أهل البيت في أحاديثهم وخطبهم وقد تناولناه في حديثنا عن حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، لكن كخطب عن رسول الله نجدها قليله فلو حسبتها لوجدت ان رسول الله أقام عشر سنوات بالمدينة منذ هجرته اليها ، في كل سنة خمسون أسبوعاً، أي خمسون جمعة ، في كل جمعة خطبتان ، المجموع من ذلك ينبغي ان يكون هناك الف خطبة لرسول الله غير الخطب الأخرى التي كانت في المناسبات والمعارك والغزوات وفي وسط الأسبوع والاحداث التي تجري ، اين هذه الخطب؟!
كان من الممكن لولا جهود الشريف الرضي التي بذلها لحفظ كلام امير المؤمنين عليه السلام، لحصل لها كما حصل لتلك الخطب النبوية، ولكنه تتبعها وجمعها في كتاب واحد سماه نهج البلاغة.