فقال لها اعتصمي بالإباء فنفس الأبي وما زانها
رأى الموت صبراً شعار الكرام وفخراً يزين لها شانها
فشمر للحرب عن سابق له أخلت الخيل ميدانها
وهكذا يستمر ضمن هذا الإطار......
ولما قضى للعلا حقها وشيد بالسيف بنيانها
يكمل قصيدته باتجاه المصيبة، لكن عندما يقرأ الإنسان ما قبل الوفود إلى المصيبة يتفرعن في داخله الإحساس بالكرامة ويتعالى الإحساس بالعزة وان هذه هي الحياة الحقيقية للإنسان لا حياة الذل، وقد جلى رضوان الله تعالى عليه في قصائده معنى (هيهات منا الذلة) بأفضل ما يمكن تجليته وأضاء عليه بأفضل ما يمكن الإضاءة عليه، وهكذا سائر الشعراء، فنحن هنا نمثل بشاعر وبجزء من قصيدته وإلا كل شيء من هذا يحتاج إلى حديث مفصل واستشهادات بقصائد الشعراء المختلفة.
ومن ذلك أيضاً، إيقاد شعلة الأمل بظهور الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه، وهذا جانب من أمر عقائدي وهو إبقاء عقيدة الإيمان بالإمام المهدي وبظهوره على الظلم والفساد وإصلاحه للأرض، ومنع عامل اليأس والقنوط مع شدة المحن والفتن التي تعصب بالناس، فإيقاد هذا الجانب وإعلائه يؤثر في جهتين: جهة عقائدية وجهة نفسية شعورية بأن الإنسان لا يُحبَط ولا يقنط وإنما يبقى فيه الأمل بتغيير الفساد وتغيير الواقع المظلم إلى واقع آخر وهو تمني الإنسان في هذا الركاب وفي هذه الرحاب، ولقد أكثر شعراء أهل البيت عليهم السلام وبالذات شعراء الحسين في استثارة المؤمنين في قضية الإمام الحجة وقد نتعرض إلى هذا في مناسبة من المناسبات في قادم الأيام، وبطبيعة الحال فإن أهم عنصر وجانب قام به الشعراء وأتقنوا فيه هو تجليه جانب المصيبة وإظهار عناصره بحقيقتها جزاهم الله خيراً وشكر سعيهم، فإن الأعداء للقضية الحسينية يبسطونها بقولهم أن الحسين خرج من أرض المدينة إلى مكة ومن ثم إلى العراق بدعوة أهل العراق ثم أن أهلها خدعوه وخذلوه وقتلوه، بينما الحقائق ليست هكذا.
إضافة إلى ذلك فان كل لحظة وكل مصرع من المصارع التي شهدتها كربلاء هي عالم من الأحزان وعالم من الألم الذي يعتصر الإنسان المؤمن والمسلم لو كان مسلماً حقاً عند سماعه، فإن كل مصرع لطفل وطفلة ونصير وصاحب وقريب للإمام الحسين عليه السلام هو عالم من الألم، فكيف قتل هؤلاء من غير جرم اقترفوه وبهذه الصور التي نقلها التاريخ لنا.
ولقد سمعنا من بعض الخطباء والمبلغين لا سيما في البلاد غير المسلمة، أنهم عندما كانوا يتحدثون عن مصرع الطفل الرضيع بن الإمام الحسين عليه السلام في وسط المسيحيين او غيرهم ممن لم يمر عليهم ذكر هذا المشهد وهذا المصرع وهذه القضية فقد كانوا يتفاعلون أشد التفاعل ويحزنون أكثر الحزن وربما بكى بعضهم، وربما كان ذلك الحزن سبباً لأن يتعرف على الإمام الحسين عليه السلام وعلى منهجه وطريقته وأن يهديه الله للإسلام، فإن الفطرة السليمة والقلب غير المعقد عندما يمر على مصرع عبد الله الرضيع ويستمع إليه ويعرف حدوده لا يتمالك من الحزن إلا إذا كان منتكس الفطرة، فلو كان طفلاً عادياً سيتعاطف الإنسان معه فكيف وهو من ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله، ورسول الله هو صاحب النعمة والمنة على هؤلاء الذين يُفتَرَض أنه هداهم إلى سبيل الله وإلى طريق الدين، فقد جزوه في مقابل ذلك أن ذبحوا أبناءه وسبوا عياله وشردوا أهله الصغير منهم والكبير، فهذا مما يحزن الفؤاد ويهيج القلب بالمشاعر المتألمة.