لو أن إنساناً أريد منه أن يصف الناقة مثلاً، فإنه مهما حاول ومهما أتعب نفسه فإن نفس الموضوع هو محدود ومختصر لا مجال له لأن يتحرك فيه برحابه، بخلاف لو أن الموضوع كان موضوعاً واسعاً كبيراً ورحباً فإن بإمكانه أن يتحرك فيه كما يشاء.
القضية الحسينية اشتملت على شيء عظيم من الرحابة والأفق الواسع، فهي تشتمل على قضايا تاريخية، قضايا شرعية، ومبادئ ومفاهيم كقضايا (التضحية، محاربة الظلم، الثورة على الفساد، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الفداء والإيثار والشجاعة)، فكل هذا وغيره موجود في القضية الحسينية وهذا يعني أن ميدانها ميدان واسع فزودت الشعراء بمادة كبيرة وواسعة يستطيعون فيها الحركة برحابة من دون أن يزاحم بعضهم بعضاً، ولذلك كما قلنا قد تقرأ قصيدة لبعض الشعراء الفحول فنجد كأن معانيها لم يتطرق لها أحداً قبله مع أنه قد سبقه بمئات السنين آلاف الشعراء والناظمين، وهذا مما أعطته القضية الحسينية لشعراء الشعر الحسيني وهو أمر مؤثر في أن يكون الشاعر والشعر متحرراً قادراً على الخوض في مختلف المجالات بسهولة وكفاءة.
النقطة الثانية: أن هذه القضية بنفس المقدار التي مواضيعها مواضيع متعددة وكثيرة وشاملة فإن الأحاسيس الموجودة فيها والجانب الوجداني والعاطفي فيها هو بحر لا ينزف بل محيط لا ينزح، فنجد أن هذه القضية بما اشتملت عليه من الجوانب العاطفية والوجدانية كأنها اختصرت العلاقات الإنسانية كلها، كالعلاقات بين الإمام والمأمومين في انه كيف كانت علاقات الأصحاب والأنصار بالإمام الحسين عليه السلام كإمام ومأموم، فقد فدوا أنفسهم وقدموها قبل أن تشوكه شوكة وقد عبروا عن ذلك في رجزهم ونثرهم وشعرهم، فهذه العلاقة لا شك في أنها تثير في النفس إعجاباً عظيماً وتحفز الإنسان على أن يقتدي بهم في علاقتهم مع الإمام عليه السلام.
كذلك العلاقات بين الآباء وأبنائهم وبين الأخوة وأخوتهم وبين الأنصار بعضهم مع بعض، فإننا نلحظ العلاقة والإحساس والمشاعر بين الإمام الحسين عليه السلام وبين ابنه علي الأكبر، بين الحسين وأبناء أخيه الحسن المجتبى عليه السلام، بين الحسين عليه السلام وبين أخيه أبي الفضل العباس وسائر أخوته الذين كانوا في كربلاء، بل وحتى بين الأنصار مع بعضهم البعض كما كان بين حبيب بن مضاهر ومسلم بن عوسجة، وبين زهير وبرير وأمثال هؤلاء، فإنهم في تلك الساعات قد تجلت فيهم أعظم المشاعر والأحاسيس الإنسانية والإيمانية وهذا يثير في الشاعر بإعتبار أن عمله هو عمل عاطفي وإحساسي وشعوري يستثير فيه قدرات ليعبر عن هذه القضايا.
النقطة الثالثة: أن القضية الحسينية أصبحت ولادة للشعراء في كل جيل، وهذه من الأمور العجيبة التي لا نجد أي حادثة أخرى تشابه القضية الحسينية مهما عظمت تلك الحادثة، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا ريب في انه أفضل من الحسين ولكننا لم نجد نفس المقدار في ولادة رسول الله صلى الله عليه وآله أو حياته ومعاناته في تبليغ الدعوة أو وفاته وارتحاله إلى رحاب الله سبحانه وتعالى، فلم تفعل كل هذه الأمور مع عظمة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في انها تولد جيل من مئات وآلاف الشعراء رجالاً ونساءً ينتجون وينظمون وينشؤون أشعاراً في غاية الروعة، فلم نجد هذا كما نجده في القضية الحسينية، وهكذا الحال بالنسبة إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فإن جهاده الذي لا يدانيه جهاد وشهادته التي كانت في محراب الصلاة، فمع عظمته وعظمة هذه الأحداث إلا انها لم تتحول كما تحولت القضية الحسينية إلى ولادة للشعراء في كل جيل وكل بلد، ولذلك يعسر على إنسان مهما أوتي من التتبع أن يتعرف إلى شعراء الحسين عليه السلام في منطقته فضلاً عن المناطق الأخرى وباللغات المختلفة أيضا، فهناك من ينشئ شعراً باللغة الكردية والفارسية وغيرها من اللغات الأخرى التي يوجد فيها وجودات إسلامية متأصلة.