كيف تم التشجيع على الشعر الحسيني ١٦

في بعض الأماكن كان الأئمة عليهم السلام يستمعون إلى خصوص الشعر في الحسين وفيهم ولا يستمعون إلى شعر آخر، وقد ذكر أن الإمام الصادق عليه السلام عندما كان في الحج في منى أيام التشريق أي بعد اليوم العاشر من ذي الحجة جاءه الكميت الأسدي وقال له: يا سيدي إني أنشأت شعراً، فقال له الإمام: يا كميت إن هذه الأيام هي أيام ذكر لله عز وجل، وكأنه يلمح الإمام إلى أن هذا الوقت غير مناسب لإنشاء الشعر، فقال له الكميت الأسدي: إنه فيكم يا سيدي، فقال له الإمام عليه السلام: إذاً هات، لأن ذكرهم فرع من ذكر الله عز وجل ولأن مدحهم والثناء عليهم يهدي إلى الله، وهذا يعتبر تيم للشعر لأن موضوعه موضوعاً مكرماً، وأما قضية الدعاء لمن قال الشعر فيهم فحدث ولا حرج.

دخل الكميت على الإمام الباقر عليه السلام لأنه عاصر الإمامين الباقر وابنه الصادق، فدخل عليه ذات مره وأنشده الشعر في الحسين عليه السلام، فقال له الإمام الباقر: يا كميت لو كان تحت يدنا مال لأعطيناك ولكن أقول لك كما قال رسول الله لحسان: ما زلت مؤيداً بروح القدس ما دببت عنا.

ذكرنا في وقت مضى أن هناك عدة عناوين ممدوحة في قضية الشعر في أهل البيت ومنها عنوان (من قال فينا شعراً) أي الناظم الذي ينشئ الشعر من نفسه ويقوله، أو كما قال الإمام الصادق عليه السلام لجعفر بن عفان الطائي: بلغني أنك تقول الشعر وتجيده، قال: قلت له بلى سيدي، فقال له الإمام الصادق: أنشدني، فأنشده، وهذا يسمى ناظماً للشعر.

وهناك قسم آخر لا ينظم الشعر بل ينشده فقط كالملا أو الخطيب كأبو عمارة المنشد وغلبت عليه هذه التسمية بالمنشد لدوره، وكذلك أبو هارون المكفوف.

هذان القسمان من ينشئ وينظم الشعر والقسم الآخر من ينشد الشعر كلاهما ممدوح والإنسان لا يخلو من أحدهما، فإن لم يكن شاعراً فليحفظ بعض الأبيات بينه وبين نفسه وليبكي أو يتباكى.

ومن الأخبار ما نقرأه في كتاب كامل الزيارات لأبن قولويه القمي عن الإمام الصادق عليه السلام: (من قال فينا بيت شعر بنى الله له بيتاً في الجنة).

وعن الإمام الرضا عليه السلام أنه قال: (ما قال فينا مؤمن شعراً يمدحنا به إلا بنى الله له مدينة في الجنة أوسع من الدنيا سبع مرات.

فهذه من الروايات والأحاديث التي فيها تحريض على إنشاء الشعر وإنشاده في أهل البيت عموماً وفي الحسين عليه السلام على وجه الخصوص.

لعل سائل يسأل أنه كيف يمكن تصور أن الله سبحانه وتعالى يعطي الجنة ببيت شعر واحد؟ أو بإبكاء شخص واحد؟، فهناك قسم من الناس ولا سيما من هم على غير الإمامية لا يعتبرون بمثل هذه الروايات، وبالنسبة لنا أن يعتبروا أو لا يعتبروا هذا أمر لا يهم كثيراً بعدما كانت هذه الروايات فيها تواتر معنوي وتواتر إجمالي إن لم يكن هناك تواتر لفظي، ونشير إشارة بسيطة لتوضيح هذا المعنى وهي أن هناك بعض الأحاديث تأتي بنفس اللفظ يرويها أشخاص متعددون كما نقل عن نبينا المصطفى محمد صلى الله عليه وآله وسلم: (من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) فهذا الحديث نقله كثيرون عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أصحابه ثم نقل عن هؤلاء الأصحاب أشخاص كثيرون أيضاً وهذا ما يسمى بالتواتر اللفظي.

أما التواتر الإجمالي والتواتر المعنوي هو كما نقول أن أمير المؤمنين عليه السلام كان بطلاً شجاعاً لا يقف أمامه أحد، فكل الناس الآن يعرفون بهذا الأمر وكل الكتاب عندما يكتبون عنه أنه بطل لا يوازَن، فهذا الأمر لم يأتي من خبر وتحد وإنما من مجموع الأخبار أي أن الناس سمعوا ما قام به في بدر وأنه قتل قسماً كبيراً وتناصف مع سائر المسلمين، وكذلك عندما أتوا إلى أحد وخيبر والخندق وغيرها من الغزوات رأوا نفس الشيء من الشجاعة والبطولة، فمجموع هذه الأخبار تعطي معنى بأن علي ابن أبي طالب عليه السلام هو ذاك الشجاع البطل الذي لا يقوم أمامه أحد، وهذا يسمى تواتر إجمالي ومعنوي وإن كان البعض يفرق بين القسمين لكننا دمجناهما، وكذلك صبر الإمام الحسين عليه السلام بأنه كان في كربلاء بهذا النحو من صبره حتى عجبت من صبره ملائكة السماء، فمن مواقف متعددة يستنتج الناس الذين نُقِلَت إليهم الأخبار بأن الإمام الحسين عليه السلام كان هكذا صابراً.

مشاركة عبر:
الملفات المرفقة
كيف تم التشجيع على الشعر الحسيني 16
PART 0.00 MB 4,481
تحميل الملف
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٥

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة