وإذا هم بفارس قرشي ... ترجف الأرض خيفة من يطاها قائلا مالها سواي كفيل * هذه ذمة علي وفاها ومشى يطلب النزال كما تمشي ... خماص الحشي إلى مرعاها فانتضى مشرفيه فتلقى ... ساق عمرو بضربة فبراها يا لها ضربة حوت مكرمات ... لم يزن أجر ثقلها ثقلاها هذه من علاه إحدى المعالي ... وعلى هذه فقس ما سواها حينها قال رسول الله: (برز الإيمان كله إلى الشرك كله)، ضربة علي يوم الخندق (تعدل) في رواية، (أفضل) في رواية أخرى تعدل عبادة الثقلين، مليارات البشر، مليارات الجن، عباداتهم، صومهم، صلاتهم، صدقاتهم، زكواتهم، أفعال الخير عندهم، كلها هذه من عبادات في كفة، وضربة علي في كفة أخرى، هكذا كان يريد رسول الله إظهار شأن علي حتى لا يقول أحد، ما عرفت،
وما فهمت، وما علمت، وما شابه ذلك، لا، الأمر واضح، وفي معركة خيبر ضد اليهود المجرمين يقول الشاعر: وله يوم خيبر فتكات ... كبرت منظراً على من رآها يوم قال النبي إني لأعطي... رايتي ليثها وحامي حماها فاستطالت أعناق كل فريق ... ليروا أي ماجد يعطاها فدعا أين وارث الحلم والبـ ...أس مجير الأيام من باساها أين ذو النجدة العُلى لو دعته ... في الثريا مروعة لباها فأتاه الوصي أرمد عين ... فسقاها من ريقة فشفاها ومضى يطلب الصفوف فولت ... عنه علماً بأنه أمضاها وبرى مرحباً بكف اقتدارٍ ... أقوياء الأقدار من ضعفاها ودحى بابها بقوة بأس ... لو حمته الافاك منه دحاها عائذٌ للمؤملين مجيب ... سامع ما تسر من نجواها لو شخص ما يقرأ (قراية)، فقط يقرأ
هذه القصائد لكانت هي الأبلغ، لأعطين الراية رجلا يحبه الله ورسوله، ويحب الله ورسوله، كرار غير فرار، لا يرجع حتى يفتح الله على يديه، لا يوجد أحد يتوقع أن يعطى لعلي لماذا؟ ليس لأنه لا يستحق، لأن عليا كان قد رمدت عيناه، وكان لا يبصر مسافة متر من عنده، كيف يعطى هذا؟ وإذا كان التأخر عن معركة بالنسبة إلى بعض الناس يعد منقصة، فهنا تأخير رسول الله عليا في تبوك تصبح منقبة، (أنتَ منِّي بمنزلةِ هارونَ من موسى إلاَّ أنَّهُ لاَ نبيَّ بعدي)، ما هي منزلة هارون من موسى؟ ﴿هَٰرُونَ أَخِي ٱشۡدُدۡ بِهِۦٓ أَزۡرِي وَأَشۡرِكۡهُ فِيٓ أَمۡرِي كَيۡ نُسَبِّحَكَ كَثِيرٗا وَنَذۡكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٠-٣٤]، وفي آية أخرى: ﴿... وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾
[الأعراف: ١٤٢]، وهكذا فتصبح هذه الذي يعتبرها بعض المخالفين لعلي مثلبة، وإذا هي تصبح أعظم المناقب. فقضى في أيام رسول الله ما قضى من بطولات، ومن عطاءات، ورسول الله يصرح به في كل موضع، من يوم الإنذار، إلى يوم الدار الأخير، (آتوني بدواة وكتف أكتب لكم كتابا لن تضلوا من بعده أبدا)، ولم يكن سيكتب في الكتاب إلا (عترتي وأهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي أبدا)، وقبل ذلك الغدير، (من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم والي من والاه، وعادي من عاداه). ولكن جرت الأمور على غير ما يهوى الهدى ويريد، وتكلمنا في ليلة مضت، وهو يقول: (فصبرت على طول المدة وشدة المحنة)، إلى أن جاء زمان أمير المؤمنين، وعادت قريش لكي تُسَجِّر الحروب في وجه
علي مثلما سَجَّرتها عليه وعمره (٢٣) سنة، ها هي تُسَجِّرها عليه وعمره (٦٣) سنة، فكانت حرب الجمل التي كانت حرب قريش التاريخية على علي بن أبي طالب ورسالة رسول الله صلى الله عليه وآله، وكانت صفين كذلك، وكما قاتل علي مع رسول الله على التنزيل، ها هو يقاتل عن رسول الله على التأويل. وانتهى الأمر إلى أن تآمر عليه الخوارج، والجهلة بالدين، والعُمي في البصائر، إلى ضرب إمامكم صبيحة يوم الـ(١٩) من شهر رمضان بسيف مسموم على يد عبد الرحمن بن ملجم المرادي، وبقي إمامنا عليه السلام يوم الـ(١٩) ويوم الـ(٢٠)، والسم يوغل في بدنه، وقد يئس الجميع من نجاته، بعد أن أخبرهم الطبيب بذلك، وهذه هي ليلة الـ(٢١) التي توفي فيها أمير المؤمنين في آخرها، لم يتوفَ أمير المؤمنين