يخرج مهاجرا بعدها بـ(٣) سنوات إلى المدينة المنورة، بعدما أرسل عددا من المسلمين مهاجرين إلى الحبشة. هنا جاء رسول الله، وقال لعلي أنت تنام في منامي، والله سينجيك، وبعد رحيلي بـ(٣) أيام تأتي إليَّ في المدينة، ومعك ركب الفواطم، ولكن قبل ذلك تقوم في قريش، وتخبرهم أنه من كان له عند رسول الله عِدة أو أمانة أو وديعة فليأتِ ليأخذها مني فأنا خارج بعد (٣) أيام. في السماء خبر أن الله يعرض على جبرائيل وميكائيل أن يؤثر أحدهما الآخر بطول العمر، فكل منهما يريد طول العمر، فيقول لهما ألا كنتما مثل علي ومحمد صلى الله عليه وآله، فقد فدى علي رسول الله بنفسه، ولو كان في ذلك مقتله وموته، فباهى الله به أعاظم ملائكته في ذلك، وبعدما بات أمير المؤمنين
عليه السلام، وشرى نفسه أي باعها لله في تلك الليلة، وصرخ في وجه كفار قريش الذين جردوا السيوف ليضيع دم رسول الله بينهم، فلما رأوا عليا في وجههم تراجعوا كأنهم واجهوا تنينا في مقابلهم. أمير المؤمنين صباح ذلك اليوم قام في وجه الناس في فناء الكعبة، وقال: (أيها الناس إني راحل بعد (٣) أيام إلى يثرب، فمن كان له عُدة أو وديعة أو أمانة عند ابن عمي محمد بن عبد الله رسول الله، فليأتِ ويأخذها مني)، القرشيون كانت الصدمة عليهم في تحديهم هذا من قبل علي بن أب طالب أعظم من صدمة نجاة رسول الله صلى الله عليه وآله، على الأقل يا علي اخرج بسكوت وهدوء، اخرج بخفية، قريش التي كانت تخضع لها كل القبائل العربية، أنت شخص واحد وتقوم
في وجههم، وتقول أنا أخرج بعد (٣) أيام؟ فأرادوا أن يمنعوه مها كان، وبالفعل عندما خرج في اليوم الثالث، ومعه ركب الفواطم، (فاطمة بنت رسول الله)، (فاطمة بنت أسد)، (فاطمة بنت الزبير)، (فاطمة بنت عبد المطلب)، (أم أيمن)، وغيرهن، فبعثوا خلفه سرية فيها كبار مقاتليهم العبيد لكي يقبضوا على علي بن أبي طالب ويردوه إلى مكة، فلما وصلوا إلى قرب (ضجنان) وهي منطقة من مناطق الطريق، رأى علي بن أبي طالب وسمع ما خلفه، فوقف وأناخ الرواحل في جهة، ووقف ينتظرهم. فجاء كبيرهم يقال له (جناح مولى حرب بن أمية) شاهق ومعروف بالبسالة والشجاعة، فقال له: ارجع ومعك الرحل، فقال له: فإن لم أفعل؟ قال: لنرجعنَّ بأكثرك شعرا، نرجع ومعنا ماذا؟ نرجع ومعنا رأسك، قال: هلم، في لحظة واحدة، وكان
علي عليه السلام إما يضرب عموديا أو يضرب بشكل أفقي، فاعتلاه علي عليه السلام وضربه من الأعلى، ووصل السيف إلى أضراسه، فهوى هذا الرجل إلى الأرض، لما رأى بقية من معه هذا الضرب من علي، قالوا يا ابن أبي طالب اغني عنا نفسك، اذهب أي مكان تريد، نحن لا نريد منك شيئا. وكان هذا أول قتال لعلي مع قريش وعمره حوالي (٢٣) سنة -سجل هذا عندك- وسيبقى على قتالها، آخر قتال بينه وبين قريش كان في صفين عمره (٦٣) سنة، بين هاتين الحادثتين هي كلها مؤامرات قرشية، وقتال وحرب باردة أو حرب ساخنة معهم. فلما رجعوا، سار علي عليه السلام، وكان رسول الله ينتظره في قباء، لم يدخل النبي وسط المدينة انتظارا لأمير المؤمنين عليه السلام، رعاية لحقه، ومعرفة به،
وتعريفا به، إلى أن وصل أمير المؤمنين إلى المدينة، وقد تشققت رجلاه من شدة السير، كان بأبي وأمي قد جعل النساء على النياق، وهو يمشي على قدميه. فلما وصل إلى المدينة دخل رسول الله معه إلى وسط المدينة، فذهبت (فاطمة بنت محمد) مع أبيها رسول الله -إلى ذلك الوقت لم تكن متزوجة من علي عليه السلام، وأمه (فاطمة بنت أسد) جاءت معه، بقية النساء كل واحدة ذهبت إلى أهلها. وبقي علي عليه السلام في وقت السلم يكد لأجل والدته، ولأجل إقامة حياته، لا يقول أنا مثلا ابن عم النبي، يجب أن يدير باله عليَّ، ويخصص لي مخصصا شهريا وما شابه ذلك، وإنما رجل يكسب رزقه بعرق جبينه، وكد يمينه. صارت غزوة بدر، وتجلى فيها علي بن أبي طالب عليه السلام،