ما أشبه ذلك، تتحسس بحدوثه قبل حدوثه، وكأن هذه الطيور قد أحست بما سيحل بالأمة، فصحن في وجه الإمام وتطايرن أمامه، فقال الإمام (صوائح تتبعها نوائح)، والأمر إلى الله عز وجل، عالج الباب لكي يخرج، فانحل مئزره، فأنشأ يقول: أَشدُد حيازَيمكَ لِلمَوتِ فَإِنَّ المَوتَ لاقيكا... وَلا تَجزع مِنَ المَوتِ إِذا حَلَّ بِواديكا عظم الله أجوركم، خرج إمامكم إلى المسجد، وصعد إلى حيث يؤذن، وضع إصبعه في أذنه، وكان جهوري الصوت، يصل صوته إلى كثير من بيوت أهل الكوفة، وأذن أذانه، يا أهل الكوفة املؤوا آذانكم من أصوات أمير المؤمنين، لم تسمعوا بعد هذا اليوم صوت علي لا في محرابه، ولا في أذانه، ولا في خطبته، فاملؤوا أسماعكم بصوته. وانتهى من أذانه، ونزل من ذلك المكان، وأخذ يتخطى باتجاه المحراب، وكان
في المسجد بعض من هو نائم، فكان يوقظهم وينصحهم، إلى أن مر على اللعين ابن ملجم، وهو مكبوب على وجهه، كما هو مكبوب على بصيرته، وقد أخفى سيفه تحت ردائه، فتركه إلى أن جاء محراب الصلاة، المسجد لا يزال خاليا، والإمام عليه السلام يشرع في نافلة الفجر، قبل أن يأتي الناس. بدأ إمامكم بالصلاة، وقام اللعين ابن ملجم من ذلك المكان، جاء فاختفى وراء الإسطوانة، كبر إمامنا تكبيرة الإحرام، قرأ الفاتحة والسورة، أهوى إلى الركوع ثم إلى السجود، يا الله، ما إن رفع الإمام رأسه من السجود إلا واللعين يهوي بسيفه المسموم على رأس إمامنا أمير المؤمنين، أين المنادي وا إماماه، واسيداه، واعلياه، ففطر هامة الإمام، شدة الضربة كانت بحيث رجع إمامنا إلى السجدة مرة أخرى، والدم يسيل من جبينه
ورأسه على شيبته الكريمة، والإمام ينادي (فزت ورب الكعبة، قتلني ابن اليهودية)، ألا لا يفوتنكم الرجل. عندها هبت ريح فاصطفقت أبواب المسجد، ونادي المنادي بين السماء والأرض، (تهدمت والله أركان الهدى، وانفصمت العروة الوثقى، قتل الإمام المرتضى، قتله أشقى الأشقياء)، خرج الناس على ذلك الصوت مسرعين إلى المسج، وصلوا إلى محراب الصلاة، وجاء الحسن والحسين وابن عباس وبنو هاشم، فإذا بالإمام مكبوب على وجهه، والدم ينزف منه، وقد ضعف حاله، وقد رفعوا الإمام على أكتافهم، لأنه لا يستطيع المشي من شدة النزف وسم السيف، وظلوا ذاهبين به، قال أرباب الخبر، كانت زينب على أثر سماع صوت جبرائيل بين السماء والأرض، قد وقفت على دارها، تنتظر ما الخبر، وإذا بها تسمع الجلبة، والناس قد أقبلوا بأمير المؤمنين، قال أرباب الخبر، الإمام
لما رأى زينب من بعيد واقفة، قال أنزلوني حتى لا ترى زينب. نسألك اللهم وندعوك باسمك الأعظم، الأعز الأجل الأكرم، يا الله، بنبيك المصطفى رسول الله، بوصيك المرتضى ولي الله، وبآل بيت آل الله، فرج عنا يا الله، اغفر لنا ذنوبنا، كفر عنا سيئاتنا، آمنا في أوطاننا، لا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، ولا تفرق بيننا وبين محمد وآله طرفة عين أبدا، احفظ اللهم إخواني السامعين فردا فردا، واقض حوائجهم، شاف اللهم مرضاهم، لا سيما المرضى المنظورين ومن أوصانا بالدعاء، واقض اللهم حوائج المحتاجين، وفرج عن المكروبين، وتقبل اللهم عمل المؤسسين بأحسن القبول، إلى موتاهم وموتى السامعين نهدي ثواب الفاتحة تسبقها الصلوات على محمد وآل محمد، اللهم صل على محمد وآل محمد.