فلما وصل الشيخ يوسف البحراني إلى كربلاء وجد فيها ضالته. فهو يريد جو علمي، يريد طلاب على مستويات عالية يفضي إليهم بعلمه ويريد علماء كبار يستطيع أن يناقشهم وأن ينضج أفكاره بالحوار معهم، هذه بيئته، فالسمك يحتاج إلى ماء مناسب ليعيش ويتكاثر. فلما جاء الشيخ يوسف، زاد الحراك العلمي الموجود فيها، لأن الشيخ يوسف رحمه الله في ذلك الوقت كان الرأس الأكبر لمدرسة المحدثين المعروفة بالمدرسة الإخبارية. وسوف نأتي بعد قليل عن وجوه الاتفاق والاختلاف بين المدرستين. في المقابل المؤسس الحقيقي للمدرسة الأصولية الحديثة الذي بلور آراءها بشكل واضح مع أنه كان هناك أصوليون قبله مثل العلامة الحلي ومن بعده ،إلا أن المؤسس الحقيقي للمدرسة الأصولية الحديثة هو الشيخ الوحيد البهبهاني الذي كان موجودا في كربلاء في ذاك الوقت حينما
حضر الشيخ يوسف البحراني إلى كربلاء. هنا نجد الشيخ يوسف عنده براعة استثنائية في موضوع الأحاديث والروايات وعنده إحاطة غريبة و حفظ استثنائي في فهم هذه الروايات فهو جامعة كبيرة ، يكفيك أن تنظر إلى كتابه الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة. ١٥ مجلداً ضخم ،حتى قال بعض الفقهاء إن أعظم العلماء كانوا إذا أرادوا أن يقدموا بحث الخارج في هذه الأزمنة المتأخرة لابد أن يرجعوا إلى كتاب الحدائق وأن ينظروا إلى آراء الشيخ يوسف البحراني ، وإلى الأحاديث والروايات التي جمعها وكيف وجه هذه الروايات وبأي معنى من المعاني فهمها . كان الرجل مليء بهذا الجانب بحيث كما قلت إن بعض الأصوليين من الأعاظم في هذه الأزمنة المتأخرة من خمسين سنة وما بعدها يقولون أنهم كانوا لابد أن يرجعوا
إلى كتابه الحدائق الناظرة. فإذن ، هناك في كربلاء الأن صار عالمان كبيران الشيخ يوسف ممثل لمدرسة المحدثين و الشيخ البهبهاني ممثل لمدرسة الأصوليين، وكان بينهما نقاشات وحوارات واحتجاجات. بعض من نقل عن تلك الفترة يقول أنه كان شيخ يوسف والشيخ محمد باقر البهبهاني يأتيان إلى الحرم الحسيني بعدما ينتهوا من الزيارة ويجلسون ويتباحثون ويتناقشون ، فهذا يأتي بجواب وذلك بأتي بسؤال وهذا يرد عليه بإشكال وهذا يجيب و نقاش ويطول الأمر إلى أن هذا المسكين خادم الحضرة الحسينية والحرم الحسيني بعد أن يطول الوقت بهما ولسان حاله يقول حتى متى انتظركما! فكان يقول لهم تريدون أن تبقوا ابقوا لكن أنا لابد لي من أن أقفل الباب وأمشي أنتم تريدون البقاء إلى الفجر ابقوا. فكان ربما طال نقاشهم من الليل
إلى أذان الفجر لكن على مستوى من العلم والاحترام والأخذ والرد في إطاره العلمي. بعض تلامذة الشيخ البهبهاني لما رأوا أن الشيخ يوسف البحراني على هذا القدر من العلم وعنده في الفقه والروايات تضلع وإحاطة كانوا يذهبون إلى درسه وأحيانا بالسر خوفاً من أن يمنعهم أستاذهم رئيس مدرسة الأصوليين ، أنه مثلا قد يقول لهم لا تذهبوا، وفي ذلك الوقت ما كانوا يعصونه فكان ذهابهم بالسر إليه ، وكانوا يستفيدون وينتفعون كثيراً، وهم من الكبار أمثال السيد مهدي بحر العلوم و الطباطبائي رضوان الله تعالى عليه، ربما يكون لنا فرصةً ونتحدث عنه ، و السيد مهدي الشهرستاني وغيره ، هؤلاء من الأسماء اللامعة في الحوزات العلمية. إلى أن توفي الشيخ يوسف البحراني بعدما استقر في كربلاء و صار إليه مسجد
و بحث ودرس وغير ذلك ، وقد أوصى أن يصلي عليه الشيخ البهبهاني الذي كان من المفترض أنه مخالف له في المسلك والرأي العلمي ، لكنه أوصي أنه هو من يصلي على جنازته وفعلا هكذا صار ، أنه صلى الشيخ الوحيد على جنازة الشيخ يوسف. الآن نحن عرفنا مصطلحات: (مدرسة المحدثين -مدرسة الإخباريين - مدرسة المجتهدين - مدرسة الأصوليين) ماهية هذه المدارس ؟ وما هو وضعهم ؟ وماذا كانوا يقولون؟ هناك في كلتا المدرستين اتجاهات شديدة وكما قلنا على طريقة التركيز على ١٠% تجد في مدرسة المحدثين من كتب كتباً خَطَّأَ فيها بقوة المدرسة الأصولية ، وتجد أيضاً في مدرسة الأصوليين من عمل نفس العمل وبشدة ،وهذا قائم على فكرة ٩٠% نتفق وهي اللي تقرر حركتنا وتسالمنا وتصالحنا أو ١٠%