محاولة أخرى للماتريدي صاحب المدرسة الكلامية المَاتُريدِيَّةُ [ت: ٣٣٣هـ] يصحح فيها الرواية من أنها (كتاب الله وعترتي) ولكن المقصود (سنتي) وأن (عترتي) أي يا عترتي، فتكون: (كتاب الله وسنتي يا عترتي)، ولم تفلح هذه المحاولة.
المحاولة الثالثة حديث لأبي هريرة الدوسي وهو الوحيد الناقل له، في مقابل الكم الهائل من الصحابة الذين رووا حديث (كتاب الله وعترتي) كما يقول ابن حجر في (الصواعق)، وكما يقول زيد بن أرقم (ما كان في الدوحات أحد إلا ورآه بعينه وسمعه بأذنيه)، فأبو هريرة يروي: (كتاب الله وسنتي) ( ).
الملفت في الأمر أن مالك بن أنس [٩٣هـ - ١٧٩هـ] الذي ألف كتاب (الموطأ) وقد أمر من قبل المنصور العباسي ألّا يذكر شيئًا عن علي بن أبي طالب ولا عن أهل بيته، فما رأى حديث أبا هريرة (كتاب الله وسنتي) قال مالك: بلغني عن رسول الله.
وتشير كلمة (بلغني) -وتسمى بالبلاغات في علم الحديث- إلى الحديث المرسل الذي لا سند له ولا اعتبار، أو فيه انقطاع لا يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله.
الأمر الثامن: وقفة مع حديث وسنتي؟!
لنفرض جدلا وجود حديث (كتاب الله وسنتي) مقابل حديث (كتاب الله
وعترتي) فالجمع بينهما يكون أن السنة هادية للعترة، كما في قوله صلى
الله عليه وآله: (أنا مدينة العلم وعلي بابها)، وكذلك: (أعلمكم علي)، و(أقضاكم علي)، و (أن الأئمة من قريش أثنى عشر)، فهذه السنة منتهية إلى العترة.
فالسنة تشير إلى اتباع العترة، تمامًا كما في القرآن الكريم الذي فيه (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ)، ولكن بعض العبادات غير تامة التبيان فيه كتفاصيل الصلاة، لكن القرآن من جهة أخرى أرشدنا إلى (مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)، فالرسول بيّن تفاصيل العبادات.
وكذا الحال بالنسبة لحديث (كتاب الله وسنتي) فالسنة ترشد إلى (أذكركم الله بأهل بيتي) و (اللهم ائتني بأحب الخلق إلي يأكل معي)، فالسنة قائدة إلى العترة، هذا في حال عدم الاختلاف بين (السنة) و(العترة).
أما في حال الاختلاف بينهما، فإنّ انحصار المرجعية بالكتاب والعترة، تعني عدم وجود مرجعية أخرى، وإن كان العترة هي وارثة للسنة، ولا يحتاج التأكيد عليها؛ لأن العترة عالمة بالسنة وغيرها.
أو نعمل بالمرجحات بين (كتاب الله وسنتي) و (كتاب الله وعترتي) من حيث الاسناد، كمن يرويه راو واحد فقط كأبي هريرة، أو من يرويه ثلاثون صحابيًا من أمثال علي بن أبي طالب، وسلمان الفارسي، وحذيفة بن اليمان، وأبي سعيد الخدري، وزيد بن أرقم، وحذيفة بن أسيد، فهل أمثال هؤلاء يعادلهم راو واحد لا سيما إذا كان مثل أبي هريرة؟!
فعند الترجيح بينهما فإن العاقل غير المتعصب يقدم حديث (كتاب الله وعترتي) على (كتاب الله وسنتي)، وهذا يحرج من يأخذ بحديث (وسنتي)؛ لأن العترة طول التاريخ كانت مبعدة ومضطهدة، فقد تم التحالف بين الحكام وغيرهم في مقابل عترة أهل البيت عليهم السلام.
فأصحاب الصحاح تحالفوا مع المتوكل العباسي (الذي كان شديد البغض لعلي بن أبي طالب عليه السلام ولأهل بيته)( )، فقد كان يتلذذ بلعن الإمام علي عليه السلام، والسخرية منه في مجلسه، مما أدى إلى قتله من قبل ابنه المنتصر.
( ) مسند ابن الجعد: ج١، ص٣٩٧.
( ) حيث كانت له مرجعية كبيرة في إيران قبل مرجعية السيد محسن الطباطبائي الحكيم [١٣٠٦هـ - ١٣٩٠هـ] رضوان الله عليه.
( ) الكتاب بعنوان (في رحاب حديث الثقلين وأحاديث اثنى عشر) يقع الكتاب في ٢٦٠ صفحة، ومطبوع عام (١٤٣٣هـ).
( ) له العديد من الكتب المطبوعة منها: (محمد وعلي وبنوه الأوصياء، ويقع في مجلدين) وكتاب (الإمام المهدي الموعود المنتظر، ويقع في مجلدين) وكتاب (علي عليه السلام والوصية) وكتاب (علي عليه السلام والشيعة) وكتاب (علي عليه السلام والخلفاء).