تعدت الملاحظات التي وجهها الإمامية لكتابيّ الصحيحين، نحن نقسمها إلى القسمين المعهودين، قسم أولاً مايرتبط بالأسانيد وقسم يرتبط بالمتون، فيما يرتبط بالأسانيد ملاحظة عامة نحن نجدها في كل هذه الدراسات والكتب التي قيلت، وهي أن كيفية جمع الأحاديث في البخاري ليست في رأي الإمامية طريقةً علمية أو منصفة، لماذا؟ لما قاله شمس الدين الذهبي، وهو من أعلام مدرسة الخلفاء مهم جدا ومؤلف مُكثر حتى قيل أنه ألّف قريب من ٣٠٠ عنوان، بعضها وإن كان اختصاراً لكتب آخرين ولكن الرجل يُعَدُ من كبار علماء تلك المدرسة ومعاصراً للعلامة الحلي رضوان الله تعالى عليه، والذهبي متوفى سنة ٧٤٨ هجرية، أي بعد العلامة الحلي بجوالي ٢٠ سنة، يقول الذهبي بهذا النص قال أن البخاريَّ تجنب الرافضة كثيراً، الرافضة في مصطلحهم غير الشيعة، الشيعي عندهم في كتب الرجال - من أتباع مدرسة الخلفاء - هو من يميلُ لعليّ وربما فضله على الخليفة الثالث، هذا يقال له شيعي، وأما الرافضيّ فهو مَنْ يُفضله على الخليفة الأول والثاني، هذا رافضي فوراً ليس شيعياً عندهم وإنما رافضة، شيعي فقط إذا كان يميل إليه ويفضله على الخليفة الثالث، يعني الشيعة الإماميه الذين يعتقدون - وهم كل الشيعة الإمامية - الذين يعتقدون أن أفضل الخلق بعد رسول الله هو أمير الؤمنين عليه السلام في تعريف الذهبي وسائر كتب الرجال كلهم روافض بعتبرون، قال الذهبي أن البخاريَّ تَجَنب الرافضة كثيراً، لماذا؟
طبعاً هذا ليس في صدد ذمّ البخاري، لا بل هذا تسجيل لواقع، كأنه يخافُ مِن تدينهم بالتّـقية - هؤلاء أهل التقية فيمكن أن يكذبوا أو لا يخبروا الحيقيقة - ولا نراهُ يتجنب النواصب، فقد قلت لك أنه لا يذم البخاري بل يسجل حقيقة لأنه يعتقد بالبخاري اعتقاداً كبيراً جداً، ولا نَراهُ يتجنب النواصب ولا القدرية ولا الخوارج ولا الجهمية، فإنهم على بِدَعهم يلزمون الصدق، ولو هؤلاء الخوارج مبتدعة، ولو النواصب الذين يَتَدَيّنون بلعنِ عليّ بن أبي طالب ولو عندهم بدع لكنهم صادقون لا يكذبون أبداً وهكذا الحال في القدرية والخوارج والمرجئة أما الروافض فهؤلاء كأنما معجونين بالكذب والتقيّة لذلك لا يمكن الاعتماد عليهم! طبعاً هذا عندما تعرض هذا النص على الميزان العلمي سوف تجد أنه لا يمتلك أي مقدار من المصداقية، فتستطيع أن نقول أنه أنا آخذ من الإنسان الصادق لا عليّ بمذهبه - هذا لن يخالفك أحد به - ميزانك هو الصدق، أما أن تأتي وتفترض أن الخوارج كلهم صادقون يلزمون الصدق، والمرجئة كلهم صادقون، النواصب كلهم صادقون، لكن الروافض هؤلاء عندهم مشكلة مع الصدق، إما فعلاً أنت تتبعت الناس بهذه العنوانين كلها فوجدت كل شخص رافضي في الدنيا هو كاذب فبالتالي نعم كلامك صحيح، وتتبعت كل شخص ناصبيّ أو خارجيّ أو مرجئ أو قدري فرأيتهم صادقين، إذا بهذا الأمر فعلت فنحن نوقع معك، وأما إذا لم يحصل ذلك، افترض رأيت من الروات ألفَ شخص من الروافض - كما تقول - هؤلاء يكذبون، افترض هذا، حسناً هذا الآن الشيخ المظفر من كلام نفس الذهبي ومن أمثاله لأنه اعتمد على كتاب الذهبي - ميزان الاعتدال وتهذيب التهذيب - وتخرج تراجم ١٦٥٠ شخص اعتُمِدَ عليهم في الصحيحين وهذا بنص نفس الذهبي ومن نقل عنه في كتبه هؤلاء ضعفاء، فكيف بعد ذلك أنت بدون هذا التتبع تقول ذلك صادق وهؤلاء يلزمون الصدق، والحال أنه نُص على عدم صدقهم ووثاقتهم، وهؤلاء من دون أن تبحث تقول أن الروافض مثلاً يلزمون التقية - إذا يلزمون التقية من دون كذب فهذا لا يخدش في الإنسان لابد أن يكون يكذب وبالتالي لا تعتمد عليه، ففي أصل هيكلة وضع الكتاب - هؤلاء العلماء ممن ذكرنا أسمائهم وكتبهم - يناقشون في كتبهم ما هو الميزان الذي يجعلك تقول أن هؤلاء الفئات الأربع أو الخمس يلزمون الصدق، هذا كأن يأتي شخص ويقول بأن أهل هذه البلده لازمون للصدق، قيل له غير صحيح هذا، فمهما كانت هذه البلدة صغيرة إلا أن تتبع واحداً واحداً وتجربهم وترى يصدقون أو لا، فكيف أنت إذا تريد أن تحكم على فئة زمان أمير المؤمنين كالخوارج مثلاً إلى زمان البخاري، مئات الألوف، هل تتبعهم حتى رأى بأنهم كذلك، نواصب نفس الكلام وقدرية نفس الكلام، هل تتبعتهم حتى ثبت لك أنهم لا يكذبون وتتبعت الروافض كما تقول منذ زمان أمير المؤمنين إلى زمانك - ٢٠٠ سنة - مئات الآلاف يوجد منهم تتبعتهم بالفعل ورأيت أن هؤلائك يكذبون! هذه مجانبة للانصاف يقوم عليها الأساس الهيكلي للكتاب، هذا على الأقل بحسب نقل الذهبي وبالفعل هو أقل من نقل الروايات كما قال الذهبي أنه لم ينقل عن الرافضي، هذا أولاً.