عدد الأحاديث التي فيه أقل من صحيح البخاري ففيه سبعة آلاف ومئتان وخمسون حديثاً، عند حذف المكررات منها تصبحُ أربعة آلاف حديث وهذا غيرُ مكررٍ في صحيح مسلم ومنهجه تقريباً بهذا النحو: تحدث عن الإيمان ثم عن الطهارة ثم عن الصلاة ثم عن الحج وهكذا عن الزكاة، يعني مواضيع في الغالب هي مواضيعٌ في الفقه وروايات، والروايات المروية عن رسول الله صلى الله عليه وآله فيما يرتبطُ بالأحكامِ الفقهية والشرائع، بعد هذين الكتابين اللذيّن عُنْوِنا بعنوانِ الصحيح، سوف تأتي أربعة كتب بعنوان السُنَنْ، سُنّه يعني مستحب، وهذه الكتب التي سوف تأتي الغالب عليها هي أنها في باب المستحبات وأمور السُنن، وأولها من ناحية الترتيب الزمني هو سُنَنِ ابن ماجه، محمد بن يزيد بن ماجه القزويني، أيضاً هذا من قزوين، بخاري من أوزبكستان، مُسلم من نيشابور خراسان، القزويني ابن ماجه من قزوين. عدد أحاديث الكتاب هذا أيضاً أربعة آلاف حديث، ولذلك قد ذكرنا فيما مضى ناقلين القول أن مجموع الكتب الستة بعد حذف المكررات فيها لاتصلُ عدداً إلى عددِ الكافي من الروايات إلى عدد روايات الكافي الذي تتجاوز رواياته عدداً ستة عشر ألف رواية، وحتى لو فرضنا أنه استخرج منها ما قالوا أنه ضعيف وغير صحيح وإلى آخره - حتى هذا المقدار الذي قيل - بقيّ أربعة آلاف فهو أيضاً يتجاوز سائرَ الكتب المدونة كل واحد واحد مع حذف المكررات إذا فرضنا أن كل أحاديثه صحيحة، فسُنَنُ ابن ماجه القزويني المتوفى سنة مائتين وثلاث وسبعين هجري أيضاً في أواخر القرن الثالث الهجري، بين هذا وبين زمان رسول الله، أي بين وفاة ابن ماجه أو بين وفاة مسلم أو بين وفاة البخاري وبين وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله فوق المائتين وأربعين سنة في أقل تقديرٍ وإلا قد يزيد هذا العدد كلما مشينا بالتدريج.
الكتاب الرابع سُنَنِ ابن داوود السجستاني - سليمان بن الأشعث السجستاني - سجستان الآن معروفة بسيستان عندما كانت تُعرّب في السابق تقال سجستان والآن سيستان، سيستان منطقتان، منطقة تابعة لخراسان إحدى قرى خراسان وهي إماميةٌ بالكامل، ومنها المرجعيات الدينية وعلماء وغير ذلك، وعندنا سيستان وبلوشستان تلك محافظة في إيران لكن هذه المحافظة لها إمتداد قبليّ لأفغانستان وباكستان ويسكنها غالباً البلوش، البلوشيون سكناهم في تلك المنطقة - سيستان وبلوشستان - منطقتهم التاريخية ولهم لغتهم الخاصة وحتى أشكالهم مميزة موجودين في قسم من أفغانستان وموجودين في قسم من باكستان وموجودين أيضاً في قسم من إيران، أبو داوود السجستاني من تلك المنطقة، متوفى سنة مائتين وخمسة وسبعون هجري وهو تلميذ أحمد بن حنبل وأستاذ الترمذي، سيأتي أبو عيسى الترمذي محمد بن عيسى أيضاً له كتاب السُنن بعد قليل، عدد أحاديث السجستاني خمس آلاف وثلاثمائة وهذه سُنن، مثلاً يأتي على ذِكرِ الوضوء، ما هي سنن الوضوء، لنفترض البسملة، لنفترض بعض الأذكار، وفي الصلاة ماذا يُقال عند افتتاحها، الأعمال المستحبة والسُنن تتكفل بها هذه الكتب كتب السنن.
سُنن الترمذي لمحمد بن عيسى المتوفى سنة مائتين وتسعة وسبعين بعد وفاة أستاذه السجستاني بنحو أربعة سنوات، الترمذي عُدَ من المُصنفين الكبار وأنه فاقَ بعضَ أساتيذهِ، الذهبي ماذا يقول يقول عنه هو حاذقٌ وعارفٌ، هنا ملاحظة أريدُ أن أشيرَ إليها، الترمذي مع حَذقِه هذا ومع علميته في قضايا الرجال والحديث فقد أخرج في كتابه وكتب في كتابه بعض الأحاديث الصحيحة من حيث السند إليها، وهي تعتبر من أهم ما يَعتمد عليه الإمامية في إثباتِ إمامة أهل البيت وهو حديث الثقلين: ( إني تارك فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي)، هذا الحديث موجودٌ في كتاب سُنَنُ الترمذي، والعادة هذا أمر مثير للاستغراب، كتاب السنن المفروض هو كتابٌ فيه المستحبات إلا أن الترمذي أخرج هذا الحديثَ في كتابه وبسندٍ معتبر خلافاً لما رواه مالك في كتابه بنص ( إني تارك فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي أبدا كتاب الله وسنتي) هناك سنده غير معتبر على مقاييسهم، وهنا في سُنن الترمذي هذا الحديث معتبرٌ على مقاييسهم، وسبحان الله كيف تمسكوا بذلك الكتاب وتركوا هذا، لعله مالك إذا أحد يريد أن يريد يعتذر إليه - لأن مالك تقريباً لم يذكر عن عليّ عليه السلام في الموطأ شيئاً وروى مثل هذه الرواية - يقول هذا كان تحت سلطة المنصور العباسي والمنصور أوصاهُ بأن لا يَنقل عن علي بن أبي طالب شيئاً والمنصور كان شرساً في قراراته، فالرجل لم يروِ عن علي وإذا عنده حديث صحيح (كتاب الله وعترتي) سوف يتركه لصالح (كتاب الله وسنتي) ولو لم يكن معتبراً لأجل خوفه وتَقِيته من المنصور - هذا إذا يُرادُ الاعتذار له - وإذا لا كما يقول باحثونَ آخرون، يقولون أن مالك أساساً ماكان حسن النظر في عليّ أمير المؤمنين عليه السلام لأنه نُقِلَ عنه أن أفضل الناس بعد رسول الله أبو بكرٍ ثم عُمر ثم عُثمان ثم لا نُفاضل بين أحد، أي أن عليّ بن أبي طالب حتى ليس في الرتبة الرابعة وبعدها يكون حالُه حال سائر الناس، هذا منقول في حياته وسيرته، فإذا صَح هذا يَتَبَيّن أن القضية ليست قضية لا ليست قضية ضغط أو حالة سياسية وما شابه ذلك، المهم الترمذي مع معرفتِه ودقتِه وحذقِه في هذا العلم جاء بروايةِ حديث الثقلين الذي يعتبر من أهم الأحاديث - لو لم يكن أهمها - التي تثبتُ المرجعيةَ الدينية لأئمة أهل البيت عليهم السلام والمرويه عن رسول الله صلى الله عليه وآله.