لا يعتقدون بهذا الاعتقاد إلا إذا لا تعتَبِرُ هذا من الأمة، ثم في داخلِ مدسةِ الخلفاءِ كما سنأتي فيه عند حديثنا عن الملاحظات في هذه الكتب، بعضُ الإئمة الكبار المحدثين لا يرونَ نفس الرأيّ من أنه كله صحيحٌ، إلا أن تحسب هؤلاء مثلاً ليسوا من الأمة أو لا يَضُر مخالفتهم بالاجماع، وأساساً مثلُ هذا الكلام قد أُلقيّ على عواهنِه، ليسَ كلاماً دقيقاً، المهم أن هذا الكتاب اعتُبِرَ أهم كتاب وأصدق كتاب في مدرسة الخلفاء وأكثرها فائدةً ونفعاً، والرأي الرسمي العام يعتبر أن كل حديثٍ موجود في صحيح البخاري هو حديث صحيح ولا داعي لمناقشته والاعتراض عليه لا يُقبل وتضعيفه أيضاً غير مقبول، هذا الكتاب الأول وهو صحيح البخاري.
مواضيعه: يبدأُ في بدء الوحي، كيف بُدِأ الوحي لرسول الله صل الله عليه وآله، ثم يذهب إلى كتاب الإيمان وكتاب العِلم، ثم الكتب الفقهية المرتبطة بالعبادات من طهارة وصلاة وزكاة وغير ذلك، ثم يذكر في فضلِ القرآن وفي بعض الآداب، ثم في فضائل الصحابة، ثم في سيرة نبينا المصطفى محمد صلى الله عليه وآله، هذا الكتاب له شروحٌ كثيرة، وأبرزها وأشهرها كتاب "فتح الباري" لابن حجر العسقلاني، هذا الكتاب الأول. طبعاً كما تعلمون يوجد مبالغات كثيرة في شأن هذا الكتاب بل حتى ادعاء بعض الكرامات لنفسِ الكتاب، كأن يقول بعضهم أنهم كانوا في سفينة وهاج البحر وعلى وشك الانقلاب وأن شخص تذكر أن عِنده كتاب البخاري فذهب وأخرجه ووضعه على طرف السفينة - حرف السفينة - فهدأ البحر وترتبت الأمور ومشت السفينة كما ينبغي، وفلان انسان في فلان مكان مرض حتى يُئِسَ منه فجيئ بالكتاب ووضع عليه فإذا به يُشفى وما إلى ذلك، وقد ذكر ذلك غير واحدٍ في المبالغات التي ذُكرت في شأنِ هذا الكتاب، سهل، كتاب حديث ما كان فيه صحيحاً من ذِكر رسول الله صلى الله عليه وآله فيه بركة اسم النبي نحن نعتقد أنه بركة وخير، لكن هذا أيضاً ليس فضيلة لهذا الكتاب أو ذلك بل فضيلة لذكر رسول الله - على فرض حصولِ تلك القضايا- هذا الكتاب الأول.
الكتاب الثاني أيضاً يُطلق عليه إسم الصحيح وهو "صحيح مُسلم"، مُسلم بن الحجاج القُشَيري النيشابوري، نيشابور بلدة في أطراف خراسان، ولعلَ ممن ذهب وتشرف بزيارة الإمام الرضا - رزقنا الله وإياكم زيارتهم وشفاعتهم - عادة يذهب البعضُ إلى منطقة نيشابور باعتبار أن فيها مكان الذي توقف فيه الإمام الرضا عليه السلام عند توجهه إلى خراسان وهناك حدث بالحديث المعروف بسلسلة الذهب: ( لا إله إلا الله حصني ومن دخل حصني أمنَ من عذابي) ثم قال (بشرطها وشروطها وأنا من شروطها)، سُميّ بسلسلة الذهب باعتباره يرويه عن آبائه الكرام عن رسول الله عن الله عز وجل، هذا الكتاب ألفه مُسلم بن الحجاج النيشابوري من خراسان من إيران، مسلم النيشابوري هو من تلامذةِ البخاري وتوفي في سنة مائتين وواحد وستين هجري، أي بعد نحوِ خمس سنوات من وفاة أستاذهِ البخاري، البعض يثير تساؤل أنه في صحيح مُسلم لا توجد أي رواية منه عن البخاري وهذا على خلاف المُعتاد، المُعتاد أن التلميذ يروي عن شيخه، وهذا سَندُ متصلُ واضحٌ وبالتالي البخاري بالنسبة إلى مدرسة الخلفاء أثْبَتُ المُحدِثين والمُصنفين ويتساءل هؤلاء كيف لم يتعمد مسلم النيشابوري وهو تلميذ البخاري أيَّ روايةٍ مرويةٍ عن أستاذه محمد بن إسماعيل البخاري، ربما تُقدّم إجابات كثيرة لكن في الغالب الباحثون لا يرَونَها مُقنعةً ولا يجدونَ جواباً في الحقيقة، لا نستطيع أن نقول مثلاً لم يكن يثقُ به بالتالي أستاذه هذا،أو لا يرى كتابه كتاباً صحيحاً بالتالي هو تلميذه، إلى ذلك، لكن يبقى هذا السؤال موجوداً.