لهذا نرى أن خطورة وضع الأحاديث ليست خطورة مؤقتة وإنما ستنتهي إلى تعطيل العمل بالسنة في الأمة، ولذلك أيضاً برزت الحاجة إلى المتخصصين لمعرفة الأحاديث وقيمتها، ولأن الوضع ملوث إلى هذه الدرجة فنحن نحتاج إلى متخصص يستطيع من خلال المقاييس الموجودة عنده أن يميز بين ما يمكن أن يكون مقبولاً وبين ما هو غير مقبول.
كيف يُكتَشَف الحديث الموضوع؟
فهذا الحديث هو حديث تخصصي ويحتاج إلى دراسة سنوات طويلة جداً من الحفظ والدروس والتحقيق، لكن ما لا يُدرَك كله لا يُدرك جله، وبهذا المقدار نعطي فكرة عامة:
من أول الأمور التي يمارسها العلماء لتحديد الحديث الموضوع من غيره: هو أن يُعرض على الكتاب والسنة الثابتة والأصول الدينية المتيقنة، فيروا هل يتنافر أو يتنافى هذا الحديث مع القرآن الكريم أو لا، ثم ينظرون إلى السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وآله ليروا هل هذا الحديث يتنافى معها أو لا، فإن لم يكن يتنافى معها يتم قبوله مبدئياً وإن تنافى معها لا يُقبل، وايضاً ينظرون في الأصول العقائدية المتيقنة مثل عصمة الأنبياء ومثل وحدانية الله وامتناع التجسيم والتشبيه في الإعتقاد بالله عز وجل، كما أشرنا في ليلة مضت بعض الأحاديث التي نُقِلت فيها إشارات إلى التجسيم كما ورد في بعض الأحاديث في المدرسة الأخرى: (وامتلأت نار جهنم بأهلها يضع الله رجله في وسط النار فتصيح قط قط) فهذا الحديث ليس له معنى مع كوننا نعلم أن نسبة الرجل إلى الله تعني نسبة الجسم وقد تقرر في العقائد أن الله ليس بجسم سبحانه وتعالى عما يصفون، فعندما نرى مثل هذه الأحاديث التي تتعارض مع الأصول الثابتة المسلَّمة أو مع الآيات المباركة أو مع السنة الثابتة فعندها نعلم بأنها أحاديث موضوعة.
ما سبق أن ذكرناه أيضاً من مصادر المدرسة الأخرى مما تسرب من إسرائيليات مسلمة أهل الكتاب وهو نسبة المعصية إلى الأنبياء بل نسبة ما هو مشين لرسول الله صلى الله عليه وآله، فهناك بعض الأحاديث وإن كانت لا تنسب إليه المعصية لكنها تنسب إليه القبيح الذي لا ينبغي نسبته إلى إنسان مؤمن فضلاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله، فهذه الأحاديث نضع عليها الكثير من علامات الإستفهام.
من المقاييس أيضاً لتحديد الحديث الموضوع من غيره: مضادة الحديث لأحكام العقل، هنا ينبغي أن نشير إلى نقطة وهي أنه ليس المقصود هو عدم تقبلنا له بل هناك فرق بين ما لا نتقبله أو ما لا نستوعبه وبين أنه إذا عرضناه على أي عاقل من العقلاء فإنه لا يقبله، لأن الناس في القسم الأول مختلفون فبعضهم يتقبله والبعض الآخر لا يتقبله بينما عندما نقول مضادته لأحكام العقل هو ما يُعرض على أحكام العقول المجردة عند كل الناس فنجدهم متفقين على أنه لا يمكن أن يكون معقولاً او مقبولاً.
كذلك أيضاً: إذا كان مما يخالفه التاريخ المثبَّت، فبعض الأحيان هناك قضايا تاريخية ينافيها التاريخ الصحيح، فهناك قسم غير قليل من الأحاديث التي تذكر البلدان وميزاتها وفضائل أهلها يقف عندها العلماء عادة موقف المتوقف والمتأمل إلى أن تثبت بدليل، لأنه في كثير من الأحيان ينتصر كل فريق لأهل بلده، فعندما أكون يمني فسأضع أحاديث عن فضل اليمن، و عندما أكون حجازي فسأضع أحاديث في فضل الحجاز، والعراقي يضع أحاديث في فضل العراق، وكذلك الشامي يضع أحاديث في فضل الشام وعلى هذا المعدل، لذلك فإن ما ورد في فضائل البلدان والأقوام عادة يتوقف فيها العلماء ويتأملون فيها فوق اللازم إن كانت أسانيدها صحيحة أم لا وإن كان مضمونها صحيح أم لا، ويتحققون ما إن كان مضمونها كلي أو لا وهل كان المقصود من هذا الحديث جماعة معينة في مكان معين أو لا، فمثلاً عندنا أحاديث عن أمير المؤمنين عليه السلام في ذم بعض الأقوام، فهل تنطبق على كل الأزمنة؟، نجد أنها تنطبق فقط على ما كان في زمانه كما هو ظاهرها.