منع تدوين السنة : مبررات ونتائج ٥

منع تدوين السنة : مبررات ونتائج ٥
00:00 --:--

لما لم يستدل الخلفاء بهذا الجانب، تبين لنا أن هذا الكلام من أن النبي نهى عن الحديث ونهى عن الكتابة، يتبين هذا صناعة متأخرة، فيما بعد، في زمان بني أمية، أو بعدهم، المهم: لم يكن هذا في زمان رسول الله (ص). متوجهين إلى هذا المعنى أو لا؟ 

يضاف إلى ذلك: أن ما نقل في بعض مصادر مدرسة الخلفاء، ككتاب المصنف لابن أبي شيبة، ابن أبي شيبة واحد من الحفاظ والمحدثين في مدرسة الخلفاء، توفي في بدايات القرن الثالث الهجري، حوالي ٢٣٠ هجرية، ذكر فيه عن شخص: أن أمير المؤمنين (ع) قال، عن عبدالله بن يسار، قال: سمعت عليا يخطب ويقول: أعزموا على من كان عنده كتاب إلا رجع فمحاه، فإنما هكذا الناس حيث يتبعون أحاديث علمائهم وتركوا كتاب ربهم". هذا أيضا من الأحاديث المصطنعة وغير الصحيحة. فإن سياسة أمير المؤمنين (ع) تبعا لرسول الله، وقد علمها لأولاده وأصحابه، أنهم كانوا يكتبون سنة النبي، من أيام النبي، ويتناقلونها فيما بعد. فإذا واحد إجا قال لنا، أنه ترى علي بن أبي طالب قال: اللي عنده كتاب عن السنة يمسحه ويخرقه، نقول له هذا بيعها في سوق الخردة ما يفيدك هذا؛ لأن علي كتب الأديم، الذي ذكرناه في رواية أم سلمة، كتب أديما وظهره وبطنه وأكارعه، جلد كبير، النبي يملي، وعلي يكتب. وكتاب علي اللي فيه حتى أرش الخدش، وبقي إلى زمان الإمام الصادق والباقر عليهما السلام، وقالا: هو إملاء رسول الله وخط علي بن أبي طالب. بل حتى أصحابهم، جابر بن عبدالله الأنصاري، كان لديه صحيفة تسمى بالطاهرة، في مناسك الحج، عن أخبار وأحاديث رسول الله (ص). وأبو رافع، ونقلنا كثير من هذا المعنى، فلا اعتناء بما يقال، بأن علي قال اللي عنده كتاب يجي يمحيه، وإن نقل في مصادر الخلفاء، وقد يكون هذا الحديث لتغليظ المرقى – حسب التعبير – حتى لا يقال بس أن بعض الخلفاء منعوا، حتى علي بن أبي طالب، لكنه غير صحيح. 

زين، تم هذا. الآثار والنتائج التي تمخض عنها منع التحديث والتدوين لمدة تصل إلى نحو قرن من الزمان، ٨٨ سنة، كانت نتائج كثيرة وضارة للغاية، نشير إليها إشارات سريعة وعابرة. 

أول أضرار هذه السياسة: أنها سهلت نقوذ الإسرائليات إلى الثقافة الدينية والإسلامية، كيف؟ الآن إجينا إلى زمان الخليفة الثاني، صارت فتوحات وتوسعات، الناس أيضا انتقلوا من مرحلة المعرفة الأولى للعلم بالإسلام إلى مرحلة متقدمة. الآن أنت أول ما تبلغ مثلا، يصير عندك معرفة بالأحكام، أحكام الصلاة، أحكام الصيام، الأشياء البسيطة اللي تحتاجها، بعدين لما يتقدم بيك العمر وتكبر، تحتاج إلى ثقافة أكثر: تريد تعرف في العقائد، تريد تعرف في السنن، في التاريخ، تريد تعرف في قصص الأنبياء، تريد تعرف في شؤون الثقافة الإسلامية الأخرى، ما يكفيك بس هذه الأحكام الشرعية البسيطة، فتدور على مصادر. هذا كل الأمة صار عندها هالشكل، زمان النبي (ص) عرفت مقدار من الأخلاقيات، مقدار من الشرعيات، مقدار من التوجيهات الدينية والعقائدية، بس كلما امتد بها الزمان، صارت تحتاج إلى ثقافة ومعرفة أكثر. فهالأثناء، آل بيت محمد (ص) تم استبعادهم، ليس فقط من السياسة، وإنما من التوجيه أيضا، ما صارت المنابر بايديهم، ولا حلقات العلم، ولا صلوات الجمعة، ولا ولا، هذا ما صار، زين، الناس يحتاجون إلى ملء الفراغ، من الذي ملأ الفراغ، جاء مسلمة أهل الكتاب: تميم الداري، حبر من الأحبار أسلم في زمان الخليفة الثاني، ليس في زمان رسول الله، وإجا من فلسطين واستقر في المدينة، وهذا متروس من الثقافة اليهودية، تريد من قصص الأنبياء؟ هذا عنده: آدم، والجنة، والنار وما جاء في التوراة، كل ما كان في التوراة المحرفة، هذا يعرفه، الناس هم يسألون، تفاصيل يريدون، ما يكتفون بهالمعلومات البسيطة، فصار هذا هو الذي يتصدى للسؤال والجواب، وأصبح مكان إله رسمي في المسجد، أول ما بدأ يوم في الأسبوع، بعدين أضيف إليه، بعد الصلاة يقعد، والناس يستمعون إليه، أفكار التجسيم والتشبيه، وما كان عند اليهود، وأن آدم اختفى في الجنة، والله ظل يدور عليه، ما لاقاه داخل الجنة، وأن مثلا لوط كذا، سووا مع بناته، وكذا، هذا العثاء الكبير الموجود في التوراة المحرفة انتقل إلى داخل الثقافة الإسلامية واختلط، فراغ أكو، مثل الهواء، مكان مفرغ، أي هواء يجي، سواء هواء نقي أو هواء فاسد: تميم الداري، كعب الأحبار، وهب بن منبه، وهؤلاء إجوا وصارت إلهم جلسات علمية وتثقيفية في مسجد رسول الله (ص)، طبعا الناس، ما دام ما عندهم ما كان من رسول الله (ص) من سنة صحيحة، وما كان عند أهل البيت (ع) من علم نبوي، طبيعي أن يستقبلوا هذا الكلام، فنفذت الإسراليات بهذه الطريقة إلى الثقافة الإسلامية، هذا واحد. 

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١١

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة