٥/ منع تدوين السنة: مبررات ونتائج
?تابة الفاضلة أمجاد عبد العال
قال الله العظيم في كتابه الكريم، بسم الله الرحمن الرحيم: (ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب). آمنا بالله، صدق الله العلي العظيم. عطروا مجالسكم بذكر محمد وآل محمد. اللهم صل على محمد وآل محمد. اللهم صل على محمد وآل محمد، اللهم صل على محمد وآل محمد.
حديثنا بإذن الله تعالى، يتناول موضوع: منع تدوين السنة النبوية بين المبررات والنتائج، ضمن الحديث عن سنة النبي (ص). سبق أن ذكرنا في ليال مضت، أنه تم منع التحديث بالسنة، ومنع التدوين أيضا، وقد بدأـ ذلك بعد وفاة رسول الله (ص). وكأي عمل من الأعمال لا بد أن تقدم مبررات، وخلفيات من قبل القائمين به. لننظر: هل هذه المبررات يمكن أن تكون موضوعية ومقبولة أو لا، بغض النظر عمن قالها وذكرها. المبرر بما هو، والسبب في اتخاذ هذا القرار بنفسه كائنا من كان من اتخذه. لنرى: هل أن هذا المبرر مبرر معقول أو ليس كذلك.
طبعا في هذا الموضوع أبحاث كثير، إذا أحد أراد تفصيل المسائل، هناك كتب كتبت في هذا الباب، من ذلك مثلا: مقدمة كتاب وسائل الشيعة، الطبعة الجديدة، التي طبعتها مؤسسة آل البيت، فيها مقدمة مفصلة حول هذا الموضوع، ومفيدة، لمن أراد التفصيل. هناك كتاب ألفه السيد علي الشهرستاني، حفظه الله، وهو كتاب مهم ومفيد، بعنوان: منع تدوين السنة. هناك كتاب ثالث ألفه العلامة السيد محمد رضا الجلالي، بعنوان: تدوين السنة الشريفة، وغير هذه الكتب، أيضا هناك بحوث وكتب كتبت في هذا الإطار، لو أراد أحد المزيد والتنفصيل يمكن له الرجوع.
أول المبررات التي ذكرت أيام الخلافة الأولى هو ما نقلناه عن كتاب تذكرة الحفاظ وتاريخ الإسلام لشمس الدين الذهبي، الحديث الذي نقل عن أن الخليفة الأول، بعدما جمع ٥٠٠ حديث، قرر إتلافها وإحراقها، وقال في ذلك: "خشيت أن أموت وهي عندي، ويكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنته ووثقت به ولم يكن كما حدثني، فأكون قد نقلت ذلك". السبب في إتلاف هذه الأحاديث ومنع نشرها وهي أحاديث كتبها الناس، لأن المعلوم: أن الخليفة – حسبما ورد في مصادر مدرسة الخلفاء – له رواية بنحو ١٢٩ حديث، بينما هذه ٥٠٠ حديث، وهو أيضا طلب من الناس أن يأتوه بالأحاديث المكتوبة عندهم.
علة الإتلاف ما هي؟ هي: أنه ربما يكون قد وثق بشخص ونقل عنه الحديث ولم يكن ذلك الشخص محل ثقة. فيكون هو المسؤول، كأنما يتحمل مسؤولية نقل حديث غير موثوق إلى الآخرين؛ لذلك يتلف هذا الحديث.
مناقشة هذا المبرر من عدة جهات. إحدى هذه الجهات: أولا: أن هذا يصدق على الأحاديث التي نقلها الخليفة عن آخرين، أما الأحاديث التي هو نقلها مباشرة، بعد ما فيها هذا الكلام، فلماذا تتلف هذه! أنا إذا سمعت من شخص آخر، ربما يكون ذلك الشخص الآخر غير ثقة، فأنا إذًا: أخاف أن يكون حديث غير موثوق. لكن إذا أنا سمعته مباشرة، يعني هاي المية وتسعة وعشرين حديث التي ذكروا أن الخليفة قد رواها مباشرة، لا ينطبق عليها هذا الأمر، هذا واحد. فإذًا، يفترض أن تعزل هذه الأحاديث المية وتسعة وعشرين اللي هو الخليفة قد نقلها عن الباقي، هذا واحد.
اثنين: ليس كل من نقل عنهم، هم غير ثقاة، وإلا فهذي طامة تصير، ومشكلة عدالة الصحابة تنهدم كلها، بناء على مدرسة الخلفاء: كل الصحابة عدول، كل الصحابة ثقاة، كل الصحابة ينبغي الأخذ عنهم، كل الصحابة من أهل الجنة. تحدثنا في بعض السنوات عن هذه النظرية. فإما النظرية هذي غير صحيحة، وإما هذا الكلام غير صحيح. إذا كل الصحابة عدول، لا معنى لأن يقال: أخاف أن يكون واحد غير ثقة أنا نقلت عنه، ويكون الحديث على غير ما ذكر، وهذا من الكلام الذي ينافي نظرية عدالة الصحابة التي استقر عليها المذهب الآخر. فإذا كان قسم من هؤلاء، لنفترض من مجموع ٢٠ شخص جابوا هذه الروايات، لنفترض ٥ مشكوك فيهم، مو كلهم مشكوك فيهم، خلينا نشيل أيضا الأحاديث غير المشكوكة، ونبقي أحاديث الخمسة المشكوكة. لنفترض من ٥٠٠، ٥٠ حديث يبقى مشكوك، لماذا تتلف الـ ٤٥٠؟ لماذا يمنع من تدوينها وتناقلها، خلي يصير الخمسين هذي المشكوكة هي التي تعزل على جنب، ثم هالخمسين أيضا المشكوكة، الطريقة الصحيحة للتوثق منها: هل هو إحراقها وإتلافها، أو لا، نجي نجيب مثلا عدد من صحابة الرسول ونقول لهم: هل سمعتم يا أصحاب رسول الله هالخمسين حديث لو لا؟ إذا قالوا ما سمعناه، نقول إذًا: الأحاديث لم تثبت. وإذا قالوا سمعوها، خلاص، حتى لو اللي نقلها مباشرة إلي، ما كان صادق، لكن آخرين قد سمعوها وقد صدرت من رسول الله. فإذًا: هذا المبرر، كما يقول هؤلاء الباحثون، لا يستقيم بالنظر الموضوعي. المفروض أن لا تتم ممارسة هذا العمل من الإتلاف بهذا المبرر، هذا المبرر لا ينتهي إلى إتلاف السنة وإلى إحراق ما كان مدونا. هذا أحد المبررات.