حركة التوابين روح الحياة في الكوفة ٢٧

حركة التوابين روح الحياة في الكوفة ٢٧
00:00 --:--

يظهر أن الخبر وصل للمدائن والبصرة متأخراً فلم يستطيعوا اللحاق بهم، وقد تخلف أيضاً الكثير من الذين كانوا معهم في الكوفة فعندما كان الأصل ١٦ ألف وإذا بالعدد يتقلص إلى أربعة آلاف، وهذا يبين أن هناك مسافة بين الإدعاء والكلام وبين التنفيذ، وهذا يحصل في الكثير من المجتمعات فلو فرضنا أن شخصاً يريد أن يقيم عزاءً في بلدة وفيها ألف شخص قد يحضر ٢٠٠ شخص مثلاً، لذلك ابتلاء الإنسان في إيمانه ليس بالكلام بل بالفعل، كما قال الله تعالى في كتابه الكريم: (( كبر مقتاً أن تقولوا ما لا تفعلون )).

وبالرغم من هذا العدد لم يتراجع سليمان بن صرد مع هذه الثلة الطيبة من أصحابه وأنصاره وهنا محل الآية الكريمة: (( لا يضركم من ضلَّ إذا اهتديتم ))، أي لا يجب أن يؤثر الأشخاص السلبيين في تغيير الإتجاهات الإيجابية، فقرروا أن يذهبوا أولاً إلى قبر الحسين عليه السلام وهي أول زيارة جماعية بهذا الحجم ما يقارب أربعة آلاف شخصاً ممن يذوبون عشقاً في الإمام الحسين عليه السلام، كما نرى الآن في زيارة أربعين الإمام الحسين عليه السلام كيف يمشي مئات الألوف من الناس هذه المسافات الطويلة فقائدهم عشقهم ووقودهم حبهم.

ذهب سليمان بن صرد وأصحابه إلى قبر الحسين عليه السلام وباتوا ليلة ويوماً عند قبره مابين نياحة وبكاء وزيارة وكأنما كان هذا بمثابة البطارية التي تشحن نفوسهم حماساً بإتجاه المطالبة بثأر الإمام الحسين عليه السلام، ثم انطلقوا من كربلاء بإتجاه عين الوردة التي هي على الحدود السورية العراقية الآن كان فيها تجمعاً كبيراً للأمويين يقوده عبيد الله بن زياد لمواجهة عبد الله بن الزبير الذي نهض بدءاً من سنة ٦٣ وأعلن بأنه الخليفة وبدأ بإرسال الولاة في أماكن متعددة.

ذهب هؤلاء التوابون رضوان الله عليهم إلى عين الوردة واستراحوا فيها حتى إذا صاروا قريبين من جيش بني أمية بقيادة عبيد الله بن زياد صار الإلتحام والقتال أربعة أيام وقد كانت معركة دموية شديدة البسالة من جهة التوابين وفي طليعتهم سليمان بن صرد الذي كان يبلغ ٩٣ من عمره والذي قال: ( أيها الناس من أراد البكور إلى ربه والخلاص من ذنبه فليتبعني وليحمل معي)، وهي أشبه بحركة استشهاد وأشبه بما نقل عن عابس بن شبيب الذي رمى درعه وحمل على الجيش في يوم عاشوراء عندما رأى أنهم لايُقبِلون عليه للقتال، فمثل هذه الحالة من الإقبال على الموت والإشتياق لله عز وجل وترك الدنيا تفسر لنا بنحو من التفسير ما نقوله عن أئمة آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإن عندنا عقيدة أن أئمة الهدى عليهم السلام كانوا يعلمون بمصارعهم ولم يكونوا غافلين عنها.

إذا لما ذهب الحسين عليه السلام إلى كربلاء وهو يعلم أنه يُستشهَد فيها؟ ولماذا ألقى بنفسه إلى التهلكة؟ فالجواب هو أولاً أن هذه ليست تهلكة حتى يلقي بنفسه فيها فإن الموت ليس تهلكة، فيكون تهلكة عندما يكون موتاً غير مبَرر من الناحية الشرعية، ولكن إذا كان موتاً سيحيى به الدين والإسلام إلى يوم القيامة فهذا عين النجاة، نحن وأمثالنا نحرص على الحياة كما قال تعالى: ((ولتجدنهم أحرص الناس على حياةٍ))، لكن الحياة الحقيقية عند الإمام الحسين عليه السلام هي التي تكون في رحاب الله عز وجل، فهو لا يشتري الحياة الدنيا بفلسِ واحد وإنما يتخذها معبر لتلك الحياة الحقيقية، فإن الذي صنعه التوابون يفسر لنا هذا المعنى وأنهم قد اشتروا الشهادة وباعوا الدنيا وأقبلوا على الموت وعلموا أنهم بهذا ينجون ويفوزون ويكفِّرون عما اعتبروه تقصيراً في حق الإمام الحسين عليه السلام، فإن استطاعوا أن يقتلوا قتلة الحسين عليه السلام فنعمَّا هي وإن لم يستطيعوا فليكونوا شهداء في هذا الطريق وليبعثوا فيما بعد النفوس، فلو نظرنا أن بيننا وبين تلك الحادثة أقل من ١٤٠٠ سنة ولكن مع ذلك عندما ننظر في أخبارهم وقضاياهم وقصصهم نمتلئ إكباراً وإعجاباً بهم، فنرى أنهم نجوماً في السماء بالنسبة لأمثالنا ممن يثَّاقل إلى الأرض وممن يركن إليها وممن يسعى إلى المال والشهوة والسلطان وما شابه ذلك، فهم الذين فجَّروا بركان الغضب الذي استفاد منه المختار الثقفي كما سيأتي الحديث عنه.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١٠

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة