فتموجت أخبار المأساة والجرائم والفظائع وأنه أطفال قُتِلَت ونساء سُبِيَت وأجساد رُضَت، فعظم ذلك على شيعة أهل البيت في الكوفة، وكانوا درجات في التأثر فقسم منهم لم يجدوا أنفسهم معنيين الأمر ومارسوا حياتهم طبيعية، وقسم آخر حزنوا على مقتل الإمام الحسين عليه السلام، وقسم آخر كالتوابين ومعنى تواب هي صيغة مبالغة من تاب – يتوب – توَّاباً على وزن فعَّال أي يتوب مرة بعد مرة ويشتد اتجاه التوبة فيه، فنرى البعض مثلاً يرتكب ذنباً ولا يبالي والبعض الآخر عندما يرتكب ذنباً يظل هذا الذنب حاضراً عنده دائماً ويأرق مضجعه ويوقظ ضميره أي يكون في حالة توبة دائمة وتوبيخ دائم مما ينتج شخصاً توَّاباً.
عندما وصلت الأخبار لهؤلاء التوابين تفاعلوا معها بأعظم درجاتها كسليمان بن صرد الذي استشهد وعمره ٩٣ عاماً وهو صحابي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد كان اسمه يسار فغير النبي اسمه وسماه سليمان بن صرد الخزاعي، وخزاعة هي قبيلة يمنية معروفة بولائها لأمير المؤمنين عليه السلام ومنها دعبل الخزاعي وأمثالهم، فقد كان سليمان من أكثر المتفاعلين في القضية الحسينية وخطب لفي جماعته خطبة طويلة بليغة حاصلها: (أنه ماذا صنعنا بابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، دعوناه إلى مصرنا ووعدناه أن ننصره حتى إذا جاء أسلمناه، فقُتِل وسبيت نساؤه، والله لا عذر لنا عند الله ولا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن نقتل قتلته أو أن نُقتَل دون ذلك)، فكما نعلم أنه حين كانت واقعة كربلاء كان مسجوناً وهذا يعطيه عذراً لعدم نصرته للإمام، لكن شدة الولاء من جهة والإحساس العميق بالذنب وبالخسارة التي حصلت بمقتل الحسين عليه السلام حرَّك هؤلاء التوابين وأنهم غير معذورون إلا أن يقتلوا قتلة الحسين عليه السلام أو يُقتَلوا دون ذلك.
فجمعوا السلاح وبدؤوا بالدعوة للإنتقام من قتلة الحسين عليه السلام ولكن بشكل غير معلَن، وجعلوا موعدهم بعد أربع سنوات، وقد كان هذا الكلام في السادس والعشرين من شهر ربيع الأول في سنة ٦١ للهجرة، وقد عيَّنوا أمر البدء بالنهضة والحركة في وجه الأمويين بعد أربع سنوات أي في سنة ٦٥ للهجرة، فحدث اختلاف هل يبدؤوا بالإقتصاص من قتلة الحسين عليه السلام الذين هم داخل الكوفة كعمر بن سعد وحكيم بن الطفيل وزيد بن رقاد وحرملة، وكان هناك رأي آخر وهو رأي سليمان بن صرد الذي استقروا عليه فيما بعد بأنهم يجمعوا السلاح والقوات ويتكلموا في الناس ويقصدوا يزيد في الشام أو عبيد الله بن زياد في البصرة ويقاتلوهم ويحاربوهم، لأنهم لو بدؤوا بقتال من كانوا في الكوفة ستنكشف قضيتهم وآنئذ سوف يعاقَبون، فقتالهم لزيد وعبيد الله بن زياد أولاً يجعل أمر قتال الباقين سهلاً لأنهم بعد ذلك لن يكون لهم ناصر ولا معين.
فبدأ التوابون بجمع الأسلحة واستطاعوا أن يجمعوا ستة عشر ألف نصير من أنصارهم، وفي عام ٦٤ هلك يزيد بن معاوية واضطرب حبل الأمويين وجاء بعده ابنه معاوية بن يزيد الذي لم يمكث إلا شهر وأيام ثم اعتزل حتى قُتِل غيلةً من قِبَل داخل الأسرة الأموية، واتفقوا مؤقتاً على أن يكون مروان بن الحكم هو الوالي.
هنا قال سليمان بن صرد وأنصاره بأنه حان وقت قتالهم، وقرروا أن يخرجوا في شهر ربيع الأول وقيل الثاني من سنة ٦٥ للهجرة، وأعلن سليمان بن صرد النفير وأرسلوا إلى المدائن وكان الرجل الكبير فيها هو أحد أبناء حذيفة بن اليمان وهو من أصحاب الإمام علي عليه السلام الخلَّص، كان ابنه سعد بن أبي حذيفة بن اليمان وقد وافق على مساعدتهم، وأرسلوا أيضاً إلى جماعة في البصرة واتفقوا معهم، أي أن القضية كانت من عدَّة جهات، فعسكروا في النخيلة وهي معسكر خارج الكوفة إذا أُريد الذهاب للقتال يجتمع الناس فيها وقد ورد ذكره في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام وفي غيرها من السيَر.