أصداء النهضة الحسينية في واقعة الحرة ٢٤

أصداء النهضة الحسينية في واقعة الحرة ٢٤
00:00 --:--

بقي هؤلاء النسوة عند الإمام زين العابدين عليه السلام، ولم يذهب كثيراً عند قضية واقعة الحرَّة لأنه يراها غير ناجحة من الناحية العسكرية، وهي أن يزيد جرَّد جيشاَ جراراً من عشرة آلاف شخص وأتى بمسلم بن عقبة المري ويسمى الآن مسرف بن عقبة وبعضهم يقول مجرم بن عقبة وهو رجل كبير طاعن في السن وكان مريضاً جداً إلى درجة أنه عندما أحضروه للقتال جاؤوا به في سرير وهو مضطجع، وأمره يزيد بأن يغزو المدينة فإذا تغلب عليهم فإنه يبيحها ثلاثة أيام والإباحة هي أنه لا يوجد امرأة مصانة ولهم أن يغتصبوها، وإن وجدوا مالاً أعجبهم فلهم أن يأخذوه وإن رأوا رجلاً فلهم أن يقتلوه، وأمره أيضاً إن فرغ من المدينة أن يذهب إلى مكة.

وبالفعل جاء هذا اللعين مسرف أو مجرم بن عقبة المري وقد كان مريضاً جداً ولكنه كان يريد أن يختم أيامه بأسوأ ما يمكن، فجاء بعشرة آلاف شخص من الشام معبئين بالحقد وفي مقابلهم ثلاث مئة أو أربع مئة مقاتل، فمن الطبيعي أن يتغلبوا عليهم وقتلوهم وصنع ما كان قد قيل له، فأباحوا المدينة ثلاثة أيام، وأدخلوا خيولهم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والذي هو مقدس عند جميع المسلمين حتى بالت وراثت في المسجد، وهذا الكلام ليس من مصادر مدرسة الإمامية بل من مصادر مدرسة الخلفاء، وقد ذُكِر بأن عدد المولودين الذين لا يُعرَف لهم آباء في السنة الثانية يناهز الألف شخص وهذا يعني بأن عدد النساء اللاتي اغتُصِبن في ذلك الوقت يقارب ١٥٠٠ إلى ٢٠٠٠ امرأة، والقتلى كانوا بالمئات من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله ومن أبناء الصحابة وغيرهم.

هنا يقول بعض الكاذبين من المدرسة الأخرى: ( ولم يلمس زين العابدين بسوء لأنه كان قد كتب إلى يزيد بن معاوية )، وهذا كذب لأن الإمام زين العابدين عليه السلام لم يكتب شيئاً ليزيد ولم يباشر أصلاً مع هؤلاء في القتال، لأنه أولاً ليس في هذا التوجه، فالله سبحانه وتعالى الذي حفظه في كربلاء بإيجاد عذر له لكي يواصل مهمة الإمامة لأنه لو كان صالح البدن حينها فسيجب عليه القتال وسيقتل، لكن الله جعله معذوراً من الناحية الشرعية حتى لا يجب عليه القتال وحتى يستمر خط الإمامة في تبليغ الدين وفي إدارة أمور الشريعة وما شابه ذلك، فكيف يرمي بنفسه في هذه المعركة التي لا يعتقد بأنها معركة منتصرة؟، ولذلك لم يساهم في القتال ولم يقم بدور في هذه الجهة.

نجد أن أعمال الإمام زين العابدين عليه السلام السابقة وبكاءه وحزنه وكلامه على القضية الحسينية هي التي جعلت الأجواء مستعرة ومشتعلة في وجه الأمويين، وهو الذي جعل المدينة تتهيأ لتستذكر نهضة الحسين وأن تستعيد بعض الشعارات والكلمات التي أخرجت الحسين، من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومقاومة الباطل بعدما كانت المدينة لا تتفاعل مع القضية الحسينية ولا مع شعارات الإمام عليه السلام، فنحن عندما ننظر إلى بكاء الإمام زين العابدين عليه السلام وإلى رثائه ونياحته وكذلك عندما ننظر إلى العقيلة زينب عليها السلام نجد أن هذه الأعمال تخدم أغراض مختلفة ومتعددة منها إبقاء القضية الحسينية ساخنة ومنها تعليم الناس بأن هذا الحاكم يزيد هو حاكم باطل وطاغوت.

كان الإمام السجاد عليه السلام كما علمتم وتعلمون يكثر من ذكر الحسين سلام الله عليه ويتحدث عن مصيبته وقضاياه، ينظر إلى الماء فيبكي ويستعبر ويؤتى إليه بالطعام فيقول: كيف آكل وقد قُتِل ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جائعاً، أم كيف أشرب وقد ذبح ابن رسول الله عطشاناً طمآنا، وظل على هذا الحال إلى الحد الذي خيف عليه من الهلاك، وهناك أكثر من رواية منها رواية مع أبو حمزة الثمالي ورواية مع جابر الأنصاري وغيرهم تقول بأن فاطمة بنت الحسين عليه السلام أخت الإمام السجاد عليه السلام جاءت إلى جابر بن عبد الله الأنصاري وقالت له: ( يا جابر إن لنا أهل البيت عليكم حقاً برسول الله، فقال: بلى ماذا تريدين، فقالت له: هذا علي بن الحسين بقية آبائه يكاد يُتلِف نفسه هماً وحزناً وكمداً على أبيه الحسين، فلو جئت إليه تحدثت معه لعله يترك ذلك )، فجاء جابر بن عبد الله الأنصاري وقال للإمام عليه السلام: ( يا ابن الحسين، البقيا على نفسك، أراك تتلف نفسك غماً وكمداً وحرناً وأنت بقية الماضين )، فقال عليه السلام: ( يا جابر، لا والله لا أزال على هذا فن يعقوب النبي غيَّب الله عنه واحداً من ولده وهو حي على قيد الحياة فابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم واشتعل رأسه شيباً، وأنا رأيت أبي وأخي وعمومتي وأبناء عمومتي مجزرين على الرمضاء ضحايا، لا والله لا أترك هذا حتى أرد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم )، وظل على ذلك الحال إلى أن حاول فيه أولئك الأمويون لعنة الله عليهم وكادوا له لينهوا حياته فدسوا له سماً فتاكاً عن طريق واليهم على المدينة، حتى استُشهِد سلام الله عليه.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١٠

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة