أصداء النهضة الحسينية في واقعة الحرة
كتابة الفاضلة أم سيد رضا
نتناول الأثر الذي تركه الإمام السجاد عليه السلام في المدينة المنورة من خلال إحيائه قضية الإمام الحسين عليه السلام وفضيحته لبني أمية في جريمتهم في كربلاء، وهذا من الأدوار التي تبين لنا عظمة وأهمية بكاء الإمام السجاد عليه السلام حتى عدَّ من البكَّائين الخمسة الذين عدَتهم الروايات على مدار التاريخ، ومن هؤلاء البكَّائين كان الإمام زين العابدين عليه السلام في الجهتين، من جهة البكاء من خشية الله عزَّ وجل ومن جهة البكاء على مصيبة والده ومن استُشهِد معه في كربلاء.
كان تاريخياً يصنفون المناطق بحسب أكثرية ميل سكانها، فمثلاً يقولون أن الشام ودمشق أموية لا يعرفون غير بني أمية، ويتحدثون عن البصرة ويقولون بأنها في تلك الفترات على الأقل كانت زبيرية الهوى، ويتحدثون عن الكوفة فيقولون أنها علوية الهوى، ويتحدثون عن المدينة فلا يصنفونها على أنها شيعية وإنما على أنها ممن يهوى الخليفتين الأول والثاني، فلم يكن في المدينة توجه شيعي واضح في تلك الفترة، ولعل عدم خروج أحد مع الحسين عليه السلام حين خروجه إلى مكة المكرمة في السابع والعشرين من رجب سنة ستين للهجرة سوى أهله وعائلته، وهكذا الحال عندما خرج من مكة المكرمة بإتجاه كربلاء لم يخرج معه أحد بمقدار واضح، بل وروي عن الإمام السجاد عليه السلام أنه قال: (ما بمكة والمدينة عشرون ممن يحبنا)، أي أنه لم يكن هناك حتى عشرون شخصاً ممن هو على منهجنا ويوالينا تلك الموالاة القوية وينتهج منهجنا في العقائد والفقه والسياسة وغيرها، فسواء كان هذا العدد دقيق أو لأجل التقليل فإنه يشير إلى أن المدينة لم تكن في حالتها الشعبية متعاطفة مع أهل البيت عليهم السلام كما ينبغي، ولكن هذه المدينة بعد سنة واحدة أو سنتين من شهادة الإمام الحسين عليه السلام أعلنت الثورة ضد الأمويين فيما عرف بواقعة الحرة التي ذكرها التاريخ والتي أظهرت الأثر الذي تركه الإمام زين العابدين والسيدة زينب عليهما السلام وعمل ركب الأسارى الذي جاء من كربلاء إلى المدينة المنورة.
رجع ركب الأسارى والسبايا من كربلاء ووصل إلى المدينة المنورة في اليوم الثامن من ربيع الأول في سنة ٦١ للهجرة، فد بقي ركب الأسارى ثلاثة أيام في كربلاء من اليوم العشرين إلى اليوم الثالث والعشرين من شهر صفر، ثم تحرك ووصل إلى المدينة في الثامن من ربيع الأول، وقد خيم الإمام السجاد عليه السلام على بوابة المدينة عدة أيام والبعض قال ثلاثة أيام، واجتمع إليه الناس وندب من ينعي الحسين عليه السلام داخل المدينة وكانت الوفود تأتي إليه وتعزيه وهو يخطب فيهم، وينقل التاريخ شيء كثير بأن هذا اليوم كان كيوم مات فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لشدة ازدحام الناس فيه والإمام يتحدث ويخطب فيهم خطبة مفجعة حول شهادة الإمام الحسين عليه السلام.
بعد ذلك دخل الإمام السجاد عليه السلام داخل المدينة واستمر بذلك وقد كان يستفيد من أي فرصة من الفرض لتذكير الناس بقضية الإمام الحسين عليه السلام وقد كان يربط كل مشهد يمكن أن يُربَط بكربلاء ويذكر على أثر ذلك مصيبة الإمام الحسين عليه السلام، وقد كان هذا من جهة الإمام السجاد عليه السلام.
من جهة العقيلة زينب أيضاً، فقد بدأت تعقد المجالس، ويذكر في التاريخ بأنه كان لها مجلس تذكر فيه قضية الحسين وما جرى على النساء بعد ذلك من سبيهن، حتى شكَّلت نوع من التيار العاطفي بين الناس ينقم على بني أمية فعلهم، فالشيء الذي حاول بنو أمية كتمانه قد أصبح على الألسن الآن، وكانت مجالس العقيلة زينب عليها السلام مؤثرة إلى الحد الذي لم يتحملها والي المدينة آنذاك وهو عمر بن سعيد الأشدق الأموي، فكتب إلى زيد كما نقلوا: أن زينب بنت علي امرأة عاقلة لبيبة وتحسن الكلام فهي لا تفتأ تذكر أمر الحسين وأصحابه في كربلاء، وأشار عليه بأن يخرجها من المدينة، وبالفعل صدرت الأوامر لهم بأن يُخرِجوا العقيلة زينب عليها السلام فخرجت في بداية سنة ٦٢ للهجرة وذهب على رواية إلى الشام أو إلى مصر وهذا يحتاج إلى بحث ولكن الرأي الأكثر هو أنها أُخرِجَت إلى بعض ضواحي الشام، ومضت إلى ربها وإلى أجدادها في النصف من شهر رجب، أي بين شهادة الإمام الحسين عليه السلام ورجوعهن إلى المدينة ومن ثم وفاتها كان أقل من سنة ونص، وكان سبب إخراج السيدة زينب عليها السلام من المدينة هو أنها كانت تتحدث ببلاغة ويتضح ذلك من خلال خطبها حيث كانت خطبتاها في الشام والكوفة من أبلغ ما يمكن.