فتعاضد كلام الإمام زين العابدين عليه السلام وخطابه مع العقيلة زينب ومجالسها وشكلوا أرضية لحركة الناس في المدينة، وأصبح هناك نوع من الغليان والتحرك وأصبح الواحد منهم يخبر الثاني بما سمعه ورآه، وعلى أثر ذلك أراد والي بني أمية في المدينة المنورة وهو عمر بن سعيد الأشدق وقيل عثمان بن محمد بن أبي سفيان أراد أن يرسل جماعة إلى الشام ومنهم وفي طليعتهم عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة الذي كان والده من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد سمي بغسيل الملائكة لأنه عندما كان شاباً في ليلة زفافه نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للجهاد فجراً، ولم يسعه الوقت للإغتسال وخرج إلى القتال في المعركة وهو جُنُب، ولما استُشهِد في القتال نُقِل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: رأيت الملائكة تغسل حنظلة بماء الجنة في صحائف من المزن، وسمي في ذلك الوقت بحنظلة غسيل الملائكة أو حنظلة الغسيل، فقد كان ابنه عبد الله أيضاً رجل من الكبار ومن الشخصيات المهمة ولهذا اختاره والي المدينة من ضمن الأشخاص الذين يذهبون للشام حتى يقوم يزيد بإكرامهم لتتحسن صورة بني أمية لديهم، وبالفعل ذهب عبد الله بن حنظلة إلى الشام ويقال بأنه ذهب مع أولاده الثمانية ومجموعة أخرى من الناس، ولما وصلوا إلى دمشق احتفى بهم يزيد وأعطى لعبد الله بن حنظلة مئة ألف درهم وأعطى لكل ولد من أولاده عشرة آلاف درهم وأكرم من معهم أيضاً بهذه المقادير ورحب بهم حتى انصرفوا، فلما عادوا إلى المدينة سألوا عبد الله بن حنظلة عن تلك الأموال فقال:وما أخذتها إلا لأستعين بها على حربه وإلا فإنَّا قد جئنا من رجل يشرب الخمر ويسكر حتى يخرج وقت الصلاة وينادم الفهود والقرود، (ينقل عن أتباع مدرسة الخلفاء من الإتجاه الأموي بأن يزيد لم يكفر بالله وأن البيعة لا تنخلع من الرجل الفاسق ) وهذا غير صحيح لأن يزيد لم يبايع برضا الناس وكان فسقه يجعله ظالماً والظالم ينبغي أن يُغَيَر عليه، وهذا واحد من أسرار نهضة الحسين عليه السلام وثورته، ولذلك أراد عبد الله بن حنظلة مقاتلته ومقاومته حتى وإن لم يجد أحداً من أبنائه الثمانية، والسلام على الحسين وآل الحسين، فقبل أن يخرج الإمام الحسين عليه السلام كان هؤلاء الناس موجودين في أرجاء المدينة وقال عليه السلام بأن يزيد رجل فاسق فاجر شارب للخمور عامل بالفجور وقاتل النفس المحترمة ومثلي لا يبايع مثله، ولكن لم يكن لهذا الكلام التأثير في ذلك الوقت كما أصبحت الآن بعدما جاء الإمام زين العابدين عليه السلام والعقيلة زينب وتكلموا عن مصيبة الحسين ومأساته وعن جرائم بني أمية في حق الإمام الحسين عليه السلام.
بدأت الأمور تتحرك وأصبح الكلام عن مظلومية الحسين عليه السلام وارتكاب بنو أمية لهذه الفظائع والفجائع ولزوم تغييرهم وإخراجهم من المدينة، فخلعوا الوالي أولاً وأمروه بالخروج سلماً وإلا لجؤوا للقتال، فخرج الوالي منها، وقد كان هناك من بني أمية أيضاً نساءهم ورجالهم وولاتهم وأعوانهم وجندهم وأقاربهم وأمروهم أيضاً بالخروج سلماً أو القتال وإن خرجوا يخرجون بشرط أن لا يدلُّوا على عوراتهم أي لا يقومون بالإتفاق مع يزيد ويدلُّوه على مداخل ومخارج المدينة ويقومون بالغدر والخيانة، وأن لا يعينوا من يأتي من جيش يزيد فوافق بنو أمية على هذه الشروط ولكن قالوا بأنهم لا يستطيعون إخراج أهلهم ونساءهم والكبيرات في السن، فوافق أهل المدينة على إبقاء النساء ولكن بشرط أن يبقوا عند الإمام زين العابدين عليه السلام، فمروان بن الحكم الذي أمر الوليد بن عتبة بأن يكَّتِف الحسين عندما خرج من المدينة ويأمره بالبيعة وإلا يضرب عنقه، وافق على إبقاء نساءه وعياله تحت رعاية الإمام زين العابدين عليه السلام، ( فشتان ما كان التفاوت بيننا وكل إناء بالذي فيه ينضح )، فاحتضنهم الإمام زين العابدين عليه السلام حتى أنه يأتي في بعض المنقولات أن قسماً من نساء الأمويين قالت: أنها لم ترى عزاً كما وجدت عندما كانت تحت رعاية الإمام زين العابدين عليه السلام، وهذه هي أخلاقيات أهل البيت عليهم السلام وليس غريباً عليهم، فليس من البساطة أن يصبح الإنسان إماماً فلابد من أن يتخلص من الأحقاد وأن لا تملكه نفسه بل هو الذي يملكها.