أراد الإمام زين العابدين عليه السلام بأن يكون الإخبار الثالث متناسباً مع قضية الحسين ومع شأنه ويعطي له رؤية أيضاً، فقد خيم الإمام زين العابدين عليه السلام خارج المدينة أولاً ولم يدخلها مباشرة حتى يقيم المأتم والمجلس والخطاب ويعزيه من أراد، وكما هو معروف فقد جاء إليه البشير بن حذلم وعزاه بوالده الحسين وبالطاهرين الصفوة من الشهداء فقال له الإمام عليه السلام: رحم الله أباك يا بشر فلقد كان شاعر فهل تحسن الشعر، فقال: بلى إني لشاعر، فقال له الإمام عليه السلام: إذاً فادخل المدينة وانعي إلى أهلها والدي الحسين عليه السلام، فدخل بشر ورفع صوته من بوابة المدينة وقال: يا أهل يثرب لا مقام لكم بها، فجاء الناس إليه يسألون مالخبر، فقال أن الخبر عند مسجد رسول الله عند قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حتى إذا اجتمع الناس أكمل شعره: (يا أهل يثرب لا مُقام لكم بها قُتِل الحسين فأدمعي مدرارُ، الجسمُ منه بكربلاء مضرج والرأس منه على القناة يدار)، ثم أخبرهم بشر بأن الإمام زين العابدين على ظاهر المدينة فاذهبوا لتعزيته، وبالفعل انتقل هذا الجمع بأكمله من الرجال والنساء حتى كان كيوم مات فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فخطب فيهم الإمام عليه السلام خطبة مختصرة جداً، نشير إليها ونوضح أهم ما ورد فيها.
قال عليه السلام: (الحمد لله رب العالمين بارئ الخلائق أجمعين الذي بعد فارتفع في السماوات العلى وقرب فشهد النجوى، نحمده على عظائم الأمور وفجائع الدهور وألم الفجائع ومضاضة اللواذع وجليل الرزء وعظيم المصائب الفاظعة الكاظَّة، الفادحة الجائحة، أيها القوم إن الله وله الحمد ابتلانا بمصائب جليلة، وثلمة في الإسلام عظيمة، قُتِل أبو عبد الله الحسين وسُبِي نساؤه وصبيته وداروا برأسه في البلدان من فوق عال السنان، وهذه الرزية التي لا مثل لها رزية، أيها الناس فأي رجالات منكم يُسَرون بعد قتله أم أي فؤاد لا يحزن من أجله، أم أي عين منكم تحبس دمعها وتظن عن إنهمالها، فلقد بكت السبع الشداد لقتله وبكت البحار بأمواجها والسماوات بأركانها والأرض بأرجائها والأشجار بأغصانها والحيتان ولجج البحار والملائكة المقربون وأهل السماوات أجمعون)