ختام الرحلة إلى مدينة الرسول ٢٣

ختام الرحلة إلى مدينة الرسول ٢٣
00:00 --:--

هذا الأمر في إجماله بأن أم سلمة كان عندها من تراب قبر الحسين عليه السلام هو على مرحلتين أيضاً، فقد جاء في بعض الروايات في الإمامية بأن الحسين عليه السلام أيضاً أعطاها تربة من قبره حين خروجه من المدينة، ولكن القدر المتفق عليه عند جميع المسلمين تقريباً هو أن النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم قد أعطاها تربة كربلاء في قارورة وأنها احتفظت بها طوال هذه المدة ما يقارب الخمسين عاماً والتي تحولت في اليوم العاشر من شهر محرم إلى دمٍ عبيط.

نجد أن هذا الخبر قد نقله الطبراني في المعجم الكبير عن أم سلمة بأسانيد متعددة، والطبراني هو من محدثي مدرسة الخلفاء وقد توفي سنة ٣٦٠ للهجرة، وأيضاً نجد أن من نقل هذا الأمر بأسانيد متعددة عن أم سلمة هو الحاكم النيشابوري في كتابه المستدرك على الصحيحين، فعند المتعصبين من المدرسة الأخرى يصفونه بأنه يتشيع، أي عنده محبة وميل قلبي لآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولذلك نجد في كتابه المستدرك على الصحيحين عدد جم من الروايات في فضائل أهل البيت عليهم السلام ويقول بأن هذه الروايات على شرط الشيخين هي صحيحة وبأسانيد معتبرة ولكنهما لم يخرجاها في كتابيهما، وقد رأى بأن الأسانيد التي يصححها البخاري ومسلم تنطبق على جملة كبيرة من الروايات في مناقب أهل البيت عليهم السلام، وقد أخرجها الحاكم النيشابوري في كتابه وأسماه المستدرك على الصحيحين، وقد توفي هذا الحاكم في حدود ٤٠٥ للهجرة.

ذكر الحاكم النيشابوري ذلك الأمر بأساليب متعددة عن أم سلمة، بل وذكر قريباً منه بسند عن أحمد بن حنبل إمام المذهب الحنبلي المتوفى سنة ٢٤١ للهجرة بأنه ذكر نفس المعنى ولكن ليس عن أم سلمة بل نقلها عن أنس بن مالك، فإذاً إن أصل الخبر هو من الأخبار المعروفة وبناءً عليه بأن أم سلمة عندما أخبرت وبكت وأعلت الحزن على الإمام الحسين عليه السلام فقد بدأ مأتم في المدينة وقد أقام نساء بنو هاشم الباقيات في المدينة العزاء فترة أيام على الحسين عليه السلام، وهذا هو الإعلان الأول عن مقتل الحسين عليه السلام في المدينة المنورة.

الإعلان الثاني جاء من السلطة الأموية نفسها، ونحن نحتمل ما يقارب عشرة أيام أو إسبوعين إلى أن يصل الخبر إلى المدينة، وذلك أن عبيد الله بن زياد لعنة الله عليه أمر شخصاً يقال له عبد الملك السلمي بأن يذهب إلى المدينة ويبشر عمر بن سعيد بن العاص الأشدق بما فتح الله عليهم بحسب تعبيره وأن الحسين عليه قد قُتِل وطلب منه بأن يسرع في نقله، وبالفعل جاء عبد الملك إلى المدينة ويقول بأنه أول ما دخل إلى المدينة: سألني رجل من قريش مالخبر فقلت: الخبر عند الأمير فقال: لقد قُتِل الحسين وأنت أتيت لتبشر بهذا الخبر، وبالفعل فقد ذهب إلى عمر بن سعيد الأشدق ويسمى بالأشدق لأنه كان في فكه لقوة أي أن حنكه كان لا يعمل بشكل طبيعي وبعضهم فسرها بأنه لكثرة ما لعن أمير المؤمنين عليه السلام، فعلى أي حال جاء له بالخبر وقد سر سروراً كبيراً وأخذ يضحك وقال: يوم بيوم بدر، وقد أعلن على الملأ في خطبة أسوأ منه، أي أن عباراتها مجافية بكل الحقائق التاريخية ونذكر قسم منها، فقد صعد المنبر وقال: (أتانا خبر قتل الحسين بن علي ولوددت أن رأسه في جسده وروحه في بدنه) وقد كان يكذب في ذلك، وبعدها أخذ يذكر الإمام الحسين عليه السلام بسوء وقال: ( يسبنا ونمدحه، يقطعنا ونصله كعادتنا وعادته)، والعكس من ذلك فهذا الرجل قد بعثه يزيد وقال له بأن يقتل الحسين ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة، وقد جعله يزيد حاكماً على المدينة وعلى مكة لشدته وغلظته وتعطشه للدماء، وهو نفسه أيضاً هدم دار أمير المؤمنين عليه السلام وهدم دار عقيل وهدم دار الرباب بنت امرؤ القيس زوجة الحسين عليه السلام، فعندما خطب خطبته اعترض عليه بعض الحاضرون وقالوا له: أتقول لابن فاطمة هكذا؟، فدفعه في صدره وقال: ما أنت وذاك، وقد كان هذا الإعلان الثاني عن خبر الإمام الحسين عليه السلام وهو إعلان رسمي من قِبَل السلطة بأن الحسين قد استُشهِد، وعلى أثر ذلك أعلن نساء بنو هاشم والقريبون منهم الحداد والبكاء، وقد كان هذا الوالي عمر بن سعيد يتشمت في ذلك ويقول: يومٌ بيومِ بدر وأخذ ينشد: عجت نساء بني زياد عجةً كعجيج نسوتنا بيوم الإرنب، ثم قال: واعية بواعية عثمان، أي كما أن نساء بني هاشم سمعوا البكاء على عثمان فهم الآن يسمعون بكاءهم على الحسين، ولكن ما ذنب أهل البيت مع عثمان بل بالعكس من ذلك فقد خلى أمير المؤمنين عليه السلام الحسن والحسين يصدون عنه، ولم يكونوا يتشمتون في مقتل عثمان ولا غيره بل وليست من أخلاقيات أهل بيت محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولذلك لا يمكن أن نقبل القول بأن يزيد أرسل رأس الحسين عليه السلام إلى عمر بن سعيد حتى يدفنه بجانب أمه كما يذكر هؤلاء المؤرخين خطأً.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١٠

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة