إذن الإمام أمير المؤمنين لديه أصناف مختلفة من الجند فلما رفعت المصاحف على الرماح والرقع المكتوب فيها القرآن ، عندئذ تحرّك أهل القداسة المزيّفة والبصيرة العمياء و أشاروا على الإمام بإيقاف الحرب بحجة أنّ معاوية يدعوه لكتاب الله ويجب الاحتكام للقرآن وترك الحرب وسماع حجة الطرف الآخر ، لكنّ الإمام قال لهم بأنّ هؤلاء لا يعرفون القرآن ولا يعرفون أحكامه ولا يطبّقونها ، فأصرّوا على إيقاف الحرب واعتبروا أنّ عدم إيقاف الحرب هو مقاتلة للقرآن ويجب مقاتلته ، حتى بلغ هؤلاء أكثر من مئتي مقاتل شهروا سيوفهم في وجه الإمام ، كأمثال عبدالرحمن بن ملجم ، فوقف الإمام عن القتال ، وكان مالك الأشتر يقاتل في الجهة الأخرى فأرسل إليه أنّ الفتنة قد أطلعت قرنها فعد ، فقال للرسول : أمهلني فواق ناقة ، فردّ عليه الرسول بأنّ الإمام قد يقتل إذ أنهم شهروا سيفهم ، فرجع مالك الأشتر حزينًا مضطربًا .
العجيب أنّ هؤلاء صدق عليهم كلام رسول الله حين قال لعمار ( آخر شرابك من الدنيا ضياح من لبن وتقتلك الفئة الباغية ) ٨ ، فقد قتل عمار بن ياسر على يد أحد جنود معاوية وهو أبو العادية الفزاري ، حيث جرح وطلب ليشرب فجىء له بلبن وقال صدق رسول الله ( آخر شرابك .. ) ، فحدث خلل في جيش معاوية وحاولوا أن يغيرّوا الحقيقة فقال عمر بن العاص لسنا نحن من قتل عمار إنّما قتله علي بن أبي طالب فهو الذي أخرجه للقتال ، فقال أمير المؤمنين لمن حوله إذن رسول الله هو من قتل حمزة فهو من أخرجه وليس الكفار ، هكذا كانوا يحرفوّن الحقائق.
بعد أن توقّف القتال اتفقوا على تعيين مندوب من كل طرف للتفاهم على نقاط الخلاف و من ثم الاجتماع بعد ستة أشهر في دومة الجندل ، وقد عيّن جيش الشام عمر بن العاص وهو رجل داهية كثير المكر والحيلة ، أما أمير المؤمنين فأراد أن يعيّن عبدالله بن العباس ، لكن الفئة التي لا تملك المعرفة والبصيرة ومنهم الأشعث بن قيس قالوا لا يحكم في مصائرنا مضريان فطلبوا منه أن يعين مندوبًا من اليمن ، ومن هنا نشأت العصبية القبلية فقالوا لأن يحكم فينا يمني بما نكره خير لأن يحكم فينا مضري بما نحب ، فطلبوا تعيين أبو موسى الأشعري الذي كان موقفه سلبيًا من الإمام منذ قضية الجمل حيث كان يتخاذل ويخاذل غيره، فذهب إلى عمر بن العاص وتباحث معه واتفقوا على أن يأتيا بعد ستة أشهر في دومة الجندل ، فاجتمع به عمر وقال أنّ المشكلة تكمن في علي ومعاوية وأنت لست بأقل منهما فلماذا نحتكم إليهما فما رأيك أن تخلع صاحبك علي وأنا أخلع صاحبي معاوية ونقول للناس الأمر شورى وقد يقع الاختيار عليك أو على عبدالله بن عمر ، فراقت الفكرة لأبي موسى الأشعري فهو لا يرتضي بالإمام إمامًا و خليفة ، فاتفقوا على ذلك ، فأشار عبدالله بن العباس على أبي موسى الأشعري أن لا يتحدّث قبل عمر فهو رجل ذو حيلة ، فسكت عنه ، و عند مواجهة الجميع طلب أبو موسى من عمر بن العاص أن يتحدّث أولاً لكنّه تعذر بأنّ له الأفضلية فهو صاحب رسول الله ومن السابقين للإسلام ولا يجوز أن يتقدّم عليه ، فخرج أبو موسى الأشعري وقال أيها الناس بعد اجتماعنا وجدنا أنّ المشكلة تكمن في علي ومعاوية وقد خلعناهما معّا من الخلافة ، ثم الأمر يكون شورى بينكم ، ثم صعد عمر بن العاص وقال أيها الناس قد سمعتم ما قال أبو موسى وقد خلع صاحبه وأنا أخلع عليًا من الخلافة وأنا أثبت معاوية فيها لأنه صاحب رسول الله وبدأ يتحدث في فضائله المزعومة ، فتفاجأ أبو موسى وقال ما على هكذا اتفقنا وقام الخلاف بينما و السب والشتم ، فاختل الوضع و قام الخوارج و عزموا على مقاتلتهم بعد أن وقفوا في وجه أمير المؤمنين من قبل ومنعوه من الاستمرار في القتال بعد رفع المصاحف ، وهكذا انشقّ الخوارج عن الإمام وانتهى بهم الحال إلى الغدر بأمير المؤمنين عليه السلام على يد الملعون عبد الرحمن بن ملجم الذي ضرب إمامنا في فجر هذه الليلة ضربة غدر في محراب صلاته ، بالرغم من عطف الإمام عليه حتى بعد أن ضربه ، فتراه يقول لأولاده ( انظروا إلى أسيركم فأطعموه ممّا تأكلون واسقوه مما تشربون ) ٩