٣/ الخلافة يجب أن تكون شورى بين المسلمين ، حيث أنه يعتبر عليًا ليس من خيار صحابة رسول الله فلديه الكثير من الأعداء ، بل أنّه كان يحسد الخليفة الأول والثاني.
أما الإمام فكانت محاور رسائله تدور حول أفضليته وسابقيته في الإسلام وأنّ أهل البيت هم أهل رسول الله ، وكان ينكر أشدّ الإنكار أن يكون له يد في قتل الخليفة الثالث ، أما بشأن المطالبة بدمه فهو ليس من شأن معاوية بل من حق أولياء الدم .
هذه الرسائل لم تنته إلى نتيجة معينة فلم يرجع معاوية عن رأيه وينصاع لأوامر السلطة الشرعية ، لذا لابدّ من المواجهة ، فبعد أن انتهى أمير المؤمنين من مواجهة أهل الجمل بدأ يستعد لمواجهة معاوية ، لكنّ الأخير استبق الأمر وذهب إلى صفين وسيطر على نهر الفرات وحاصره بجنوده ، فلما وصل أمير المؤمنين إلى النهر مع جنوده وصلوا عطاشى ومنعوهم ورود الماء ، فأرسل عليه السلام بعض الوفود ليسمحوا لهم بشرب الماء ، لكنهم رفضوا ، فأمر الإمام جنده بالهجوم عليهم وإزالتهم عن نهر الفرات وشربوا وسيطروا على النهر ، ثم إنّ البعض قال من أصحاب الإمام نمنعهم الماء لكنّ أمير المؤمنين عليه السلام رفض ذلك و قال لهم لا يجوز المعاملة بالمثل ، فسمحوا لهم بالشرب ، وكان عليه السلام حريصًا على عدم حدوث القتال بينهم ، حتى طال الأمر واستمر إلى شهر كامل ، لأنه يعلم أنّ كلا الجيشين قويان وإن احتدم القتال بينهما فستراق كثير من الدماء وأمير المؤمنين عليه السلام لا يرتضي ذلك ، فبدأ كل يوم ينزل إلى الميدان ويخطب فيهم ، أو يرسل عبدالله بن العباس ويخطب فيهم ، لكن أمراء الجيش خافوا من تأثير هذه الخطابات على الجيش فأمروا بدق الطبول وإحداث الضوضاء عندما يبدأ الخطاب معهم ، بل كانوا يرشقون الخاطب فيهم بالسهام ، فبدأ القتال خفيفًا ، و بعد ذلك أمير المؤمنين قدّم اقتراحًا لمعاوية بالنزول إلى قتاله وأيّهم قتل الآخر فالأمر له والحكم له ، فقام معاوية باستشارة عمرو بن العاص فاستحسن رأي الإمام ، فقال له ماغششتني إلا هذه المرة ، والله لا يبرز إلى علي أحد إلا وسقى الأرض من دمه ، فقال له أنت لست بالهيّن فأنت رجل شجاع وتستطيع قتل علي بن أبي طالب ، مع أنّه ذكر له موقف أثناء القتال وقد تواجه مع الإمام ففرّ منه هاربًا ، والكثير من أمثاله كعقبة بن مسرف الفهري الذي هاجم المدينة برز للإمام لكنه لم يواجه الإمام وهرب منه.
الإمام كان يريد قدر الإمكان أن لا يكون هناك قتال بين الطرفين ، لكنّ الطرف الثاني أصرّ على القتال حتى اشتدّ القتال بين الطرفين وبلغ الحد به أنّه كان في بعض الأيام يستمر إلى الليل ، وفي ليلة الهرير استمر القتال إلى هزيع الليل حيث كان الناس يعرفون موقع أمير المؤمنين من خلال تكبيراته مع كل ضربة ، وفي الأيام الأخيرة حاول أمير المؤمنين تغيير بعض المراكز العسكرية وأعطى القيادة لمالك الأشتر و قدّم قبيلتان هما الأكثر ولاءً وإخلاصًا وهما همدان من اليمن وربيعة وبكر بن وائل أسلاف هذه المنطقة وكان بينهما تنافس حول الولاء والفداء لعلي بن أبي طالب عليه السلام ، حيث قال فيهم ( أنتم رمحي ودرعي وأعز حي من العرب في نفسي )٦
فكانتا كلاهما تقاتلان بقوة وكفاءة وشجاعة ، ولعلّ البعض ممن يجد في نفسه الولاء والإخلاص ربما ينحدر من نسل هؤلاء الذي يقاتلون بحماس.
وعلى أثر هذا التغيير سيطر على ميمنة وميسرة الجيش الأموي ، أما القلب فقد سيطر عليه مالك الأشتر حتى لاحت بوادر الهزيمة عندهم ، فلجأ معاوية لعمرو بن العاص ليخرج من هذا المأزق فقال له مر بأن يرفعوا المصاحف على الرماح ، بعض أصحاب الإمام عليه السلام كانوا ذو بصيرة ودراية أمثال عمار بن ياسر الذي كان يقول ( لو هزمونا وبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنّا على الحق ) ٧ ، ولديه من الأصحاب ما لديهم من أثر السجود ما يملأ جباههم ولكن بدون بصيرة ووعي ، لذا ترى أنّ العبادة أحيانًا إذا لم يرافقها الوعي والبصيرة فمن الممكن أن تتحوّل لشيء سيء ، فتلك قطام التي حرّضت عبدالرحمن بن ملجم على قتل أمير المؤمنين عليه السلام كانت معتكفة عندما جاء إليها عبدالرحمن فلم ينفعها اعتكافها و قد أقدمت على قتل إمام زمانها ، والآن لدينا من هؤلاء الكثير ممّن يحفظ الآيات ويكثر الصلوات وبالمقابل تراه يقتل الأبرياء في نهار شهر رمضان ذلك لأنّ عبادته بلا بصيرة ومعرفة .