( يا حياً حين لا حي )، لا حياً حين لا حي في البداية ويا حياً حين لا حي في النهاية ويا حياً حين لا حي في الكيفية، فكل شيء ما عدا الله سبحانه وتعالى كان عدماً كما قال الشاعر بحضرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( ألا كل شيء ما خلا الله باطل )، وأيضاً سيأتي يوم وزمان من الأزمنة عندما ينفخ إسرافيل في الصور فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله عندها سوف يسأل الله إسرافيل وهو أعلم بالجواب: يا عبدي يا إسرافيل من بقي؟ فيقول وجهك الحي الذي لا يموت وعبدك جبرئيل وعبدك إسرافيل وعبدك عزرائيل، فيأمر الله عزرائيل بأن يأخذ روحيهما ويسأله من بقي؟ فيقول وجهك الباقي وعبدك عزرائيل، فيقول له يا ملك الموت مت، فبعد ان يموت ملك الموت لا حياة على الإطلاق، فلو تصورنا أن هذا العالم وهذا الكون بما فيه السموات والأرض وكل شيء لا يوجد فيه حياة، ثم يأتي النداء من الجليل سبحانه: لمن الملك اليوم؟ فيكون صمت مطبق على الكون بأجمعه لا يتردد فيه غير نداء الله عز وجل فيجيب الله على السؤال ويقول: لله الواحد القهار، فإذا عرف الإنسان المؤمن هذا الأمر يأتي الخطاب إليه: وتوكل على الحي الذي لا يموت، أي اجعل اتكالك واستثمر حسابك في ربك الحي الباقي الذي لا يموت، فبين حياة البشر وبين حياة الله الحي لا يوجد قياس أصلاً، فحياة الإنسان جاءت من بعد عدم وستنتهي بالموت بعد مرورها بالضعف بل وأنها مهددة بالموت في أي وقت إذا تعطل أي ناظم في جسم الإنسان، فلو تعطلت اللهاة أثناء الطعام والشراب ودخل الماء إلى مجرى التنفس فما أقرب الموت إلى هذا الإنسان، ومن الممكن أن يغمض عينيه مساءً ولا يفتحهما وأن يدخل نفساً ولا يخرجه، أو يخرج نفساً ولا يدخل نفساً غيره، فأي حياة هذه التي يطمع فيها هذا الإنسان أو يطمع أن يعتمد فيها على حياة غيره؟.
( يا محيي الموتى )، يا من هو قائم على كل نفس بما كسبت، فكل نفس بهذا العموم والإستغراق والشمول بل وغير الانفس، فكل نفس سواء كانت كافرة او مؤمنة فإن ربنا سبحانه وتعالى قائم عليها وناظر إليها ومدبر لها بما كسبت من النعمة وما كسبت من العمل، فإن كسبت خير في حياتها فهو قائم عليها وناظر لها، وإن كسبت شراً والعياذ بالله في حياتها فربنا سبحانه وتعالى هو الرقيب عليها من وراء الناس والشاهد لما خفي عنهم.
( يا من قل له شكري فلم يحرمني )، بدأ الحديث في الإعتراف وفي تحديد موقع النفس وكشف الحقيقة عن ممارسات الإنسان من قبل نفسه، فالإنسان يتجمل أمام غيره ويظهر ما يستحسن منه ولكنه يخفي ويستر عن الآخرين خلاف ذلك، ولكن هل ينستر هذا عن ربنا سبحانه وتعالى؟ كلا، فمن الأحسن للإنسان في مقام الإعتذار وفي مقام الإستغفار أن يعترف بين يدي ربه بتقصيره وذنبه وخطأه وتجاوزه فإن ذلك أدعى لأن تُغفر، فالشخص الذي يأتي شامخاً بأنفه وكأنه قد اجترح المعجزات وهو في واقع أمره أسير شهوته وصريع لذته فهذا بعيد عن توبه الله عليه ورحمته به، فلو أننا كلما حصلنا على توفيق ظنناه من صنعنا بينما ربنا هو الذي كان يدبر ويعين ويوفق، فهذا يمنعنا عن شكر الله عز وجل ومع ذلك لا يحرمنا ربنا من نعمه، فمثلاً لو أن هناك شخصاً ساعدنا في إنجاز مشروعٍ ما وأعطانا المال الكافي والخبرة والمعونة وبعدها خرجنا متفاخرين ومتباهين بأن هذا المشروع صنعناه بأنفسنا بدون مساعدة أي شخص ونغفل تلك الجهود التي أعاننا بها غيرنا والتي لولاها لما وصلنا، فهذا نكران للجميل وقد لا يعود ذلك الشخص لمساعدتنا في مشاريع أخر ويقول أن نفسنا هابطة ومغرورة، لكن الله سبحانه وتعالى لا يصنع ذلك فهو يعيننا بكل شيء ولا يعرض بوجهه الكريم عنا فمع قلة الشكر لا يحرم الله عبده من عطائه، فهذا العقل الذي نفكر به واليد التي تتحرك وسائر أمور حياتنا فهي نعمة من الله علينا، فأحسن ما يصنع الإنسان هو أن يخر ساجداً على الأرض وأن يخاطب ربه بلسان الإستغفار والإعتراف كما وجهنا الدين لأن نقول في ذلك الموضع: هذا من فضل ربي لينظر أأشكر أم أكفر.