يا حياً حين لا حي يا محيي الموتى
تحرير الأخت الفاضلة أم سيد رضا
مما جاء في فقرات دعاء الإمام الحسين عليه السلام في يوم عرفه قوله مخاطباً ربه سبحانه وتعالى: ( يا الله يا الله يا بديء يا بديع لا ند لك، يا دائماً لا نفاد لك، يا حياً حين لا حي يا محيي الموتى، يا من هو قائم على كل نفس بما كسبت، يا من قل له شكري فلم يحرمني وعظمت خطيئتي فلم يفضحني ورآني على المعاصي فلم يشهرني، يا من حفظني في صغري يا من رزقني في كبري يا من أياديه عندي لا تحصى ونعمه لا تجازى يا من عارضني بالخير والإحسان وعارضته بالإساءة والعصيان ).
هذه الفقرة من الدعاء بدأها سيدنا الحسين عليه السلام بخطابه لله عز وجل بقوله يا الله يا ذا الإسم العظيم الجليل الذي لا يصح نداء غير الله به ولا ينطبق إلا عليه، فإذا كان مثلاً بعض الأسماء كالكريم والعزيز والباقي وما شابهها من الأسماء تنطبق على المخلوقين فإنه يكون بنسبة معينة أو بلحاظ زمان معين، إلا أن الإسم المقدس ( الله ) لا يطلق بأي نحو من الانحاء على غير الذات المقدسة الإلهية وهو رب الكون، ولذلك قد يرد في الدعاء والخطاب ( يا الله يا الله يا الله يا من لا يقال لغيره يا الله )، فيخاطب الغمام الحسين عليه السلام ربه بهذا الإسم الخاص مكرراً، وقد مر علينا فيما مضى فائدة التكرار في الإسم وفائدة التعداد في الذكر.
ثم يقول عليه السلام: ( يا بديء يا بديع لا ند لك )، البديء هو الذي يبتدئ قبل كل شيء، وتأتي من بدأ – يبدأ – فهو بديء، وكأنه يساوي بهذا المعنى الاول قبل كل شيء، فالله هو الذي بدأ كل شيء، أو أن يقال في معنى آخر أن بديء هو إشارة إلى ابتدائه خلقه بالنعمة والمنة والرعاية، فبناءً على المعنى الأول أنه الأول قبل كل شيء بغض النظر عن وجود الأشياء وبناءً على المعنى الثاني فهناك ملاحظة على الأشياء والمخلوقات فهو الذي بدأها بالنعمة والإيجاد والخلق وبعث فيها الحياة.
إذا كان المعنى الاول هو المقصود فسوف تكون نسخة لا بدأ لك هي النسخة الأقرب لأن البديء في المعنى الاول أنه الأول الذي لا توجد له بداية ولا تاريخ، وأما إذا كان المقصود هو المعنى الثاني فيعني أنه لا ند له ولا مصارع ولا منافس له في هذه الصفة.
ثم تأتي كلمة البديع بعد ذلك والتي تعني أن الله هو الذي ينشئ الخلائق على غير مثال وعلى غير خريطة وعلى غير شيء سابق، فالمهندس يستطيع أن يصنع الأشياء ويصمم إذا كان عنده خريطة بمقادير معينة، وأما إذا لم يكن لديه خريطة وصنع شيئاً عظيماً فهذا يعتبر مهندساً متوفقاً لأنه أبدع من عنده تلك النظرية وطبقها في صورة خريطة ثم في صورة بناء، فكيف بالله سبحانه وتعالى الذي خلق كل ما عداه من غير مثال، كما جاء في خطبة سيدتنا فاطمة الزهراء عليها السلام وهي تصف خلقة الله: (بلا احتذاء أمثلة إمتثلها)، أي لم يكن أمامه نماذج حتى يصنع الكون على أساسها، فكل شيء في الكون هو إبداع من الله عز وجل الذي هو بديع السماوات والأرض.
( يا دائماً لا نفاد لك )، فكل من عدا الله ينفد في يوم من الأيام وتنتهي مدته وتخبو قوته ويصبح خبراً بعدما كان أثراً، فلا يختلف في هذا احد من ملك مقرّب ولا نبي مرسل ولا صدّيق ولا شهيد ولا مؤمن صالح ولا فاجر طالح ولا حيوان ولا حشرة، فكلٌ له مدة معينة ينتهي بعدها، لكن ربنا سبحانه وتعالى ليس له نفاد.