هذه حاجاتك الحقيقية فاطلبها من ربك ١٢

هذه حاجاتك الحقيقية فاطلبها من ربك ١٢
00:00 --:--

"ومتعني بجوارحي واجعل سمعي وبصري الوارثين مني" يطلب الإنسان من الله عز وجل طول عمره، ولكن طول العمر، المقترن بفقدان الجوارح، هذا أذى، للشخص ولمن حوله، لو أن إنسانا طال عمره مثلا، ولكنه بقي في هذا العمر، ٢٠ أو ٣٠ سنة، لا يسمع، لا يرى ولا يبصر، هل سيكون ذلك العمر، بالنسبة له، مريحا؟ هل مطلوب لهذا الإنسان؟ هل سيكون ذلك مسعدا لمن حوله من أهله؟ والدهم مثلا لا يرى ولا يسمع، ولا طريق للتواصل معه. ولا بد من رعايته، لا ريب أن هذا المصير سيكون مصيرا متعبا له ولمن حوله. ولذلك من المطلوب في الدعاء، أن يدعو الإنسان ربه بأن يمتعه بجوارحه، أن يبقي له قوته، بحيث لا يصبح بهذا النحو. وهذا التعبير موجود عندنا: "واجعلهما الوارثين مني"، أو: في موضع آخر، "قوتي واجعلها الوارثة مني" أو: "جوارحي واجعلها الوارثة مني"، لماذا؟ لأجل هذا الأمر. لأن العمر الذي يفقد فيه الإنسان فيه عافيته، يفقد فيه جوارحه، يفقد فيه حواسه، لا يكون عمرا مطلوبا. فكما تطلب للآخرة، اطلب أيضا للدنيا. فإن من بقاء جوارحك تستطيع أن تعبد ربك بالنحو الأفضل. بقاء بصرك يجعلك قادرا عل التعلم، والتعرف، إلى وقت طويل. بقاء سمعك هو أيضا كذلك. 

"وانصرني على من ظلمني، وأرني فيه ثأري ومأربي" المؤمن ليس عدوانيا، حتى يدعو على القريب والبعيد، وإنما من يظلمه، لا يستطيع الإنسان المؤمن أن يبادل الظلم بظلم، وإنما يطلب النصر من الله على ظالمه، والنصر له أساليب مختلفة. يطلب من الله سبحانه وتعالى، النصر. يطلب منه أن يريح قلبه من هذا الظالم، وأن يريه فيه، مآربه وغايته، ولأنه كما قلنا هذا المؤمن ليس عدوانيا، فلا يريد تمزيقه، لا يريد تشتيت عائلته، وإنما يريد أن يكفى شره. أن يبعد عن طريقه، أن يؤدبه الله سبحانه وتعالى، حتى لا يستمر في ظلم غيره.

"وأقر بذلك عيني"، لا ريب أن هذه الأم، التي ذهب أبناؤها ضحايا، وكانت تأمل منهم أن يكونوا عونا وسندا لها، ذهبوا ضحايا على يد ظالم، جائر من غير حق، لا ريب أن في قلبها حرقة باقية. عندما ينصرها الله على ظالمها، لا شك أن قرحتها تبرأ. لا شك أن عينها تقر وتستقر. 

ذلك الذي عاش أغلب عمره في سجن ظالم من الظلمة، وخسر عمره هكذا، لأجل شهوة من الشهوات، ولأجل حكم قضاء جائر، من قاض مرتش، وإذا به يفقد ٣٠ سنة من عمره، زهرة شبابه تذهب وتنتهي. لا ريب أنه يبقى في داخل قلبه، ألم كبير. أوردوا قبل مدة من الزمان خبرا عن أمريكا أن رجلا من الجنس الأسود، الذي يقال لهم: الأفريقيين، الأمريكان، وهؤلاء في الغالب يتعرضون إلى عنصرية، من قبل قسم من البيض في أمريكا. أوردوا خبر أن هذا الرجل اعتقل وعمره ٢٥ سنة في تهمة بالقتل، وحكم عليه بالسجن المؤبد، وحاول الدفاع عن نفسه ببراءته فلم يستطع. بعد ٣٥ سنة، تبين للمحكمة أن هذا الشاب الذي أصبح عمره الآن ٦٠ سنة، تبين لهم أنه بريء. وأنه لم يقتل أحدا، وأن القاتل شخص آخر. فجاؤوا إليه وأطلقوا سراحه. اللحظة التي أخبر فيها والدمعة التي نزلت من عينه، تهز الإنسان. شخص مظلوم بحكم قضائي جائر بهذه البساطة خسر كل عمره، ٣٥ سنة، الآن ماذا يصنع فيما تبقى من عمره. لا ريب أن مثل هذا عندما ينصر على ظالمه من قبل الله عز وجل، وبواسطة عباده، تقر عينه، تهدأ نفسه.

"وأقر بذلك عيني. اللهم اكشف كربتي، واستر عورتي". العورة ليست فقط ما هو في المصطلح الفقهي من السوءتين المعروفتين اللتين يجب سترهما عن الأجنبي. وإن كانت هذه من أول ما يطلب الإنسان ستره من الله عز وجل. بل بالإضافة إلى ذلك: كل ما يُعرُّ به الإنسان، ويعتبر عارا عليه. أخلاقه السيئة هي عورة، وعار. أحقاده الدفينة، هي عورة وعار. يطلب الإنسان من الله أن يسترها. ذنوبه التي يرتكبها، لو كشفت ذنوبنا لبعضنا البعض، لكان الأمر مرعبا ومزعجا حتى قيل: لو تكاشفتم لما تدافنتم. 

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٤

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة